سوق الأسهم .. حين يقتل الكبرياء صاحبه كالمتنبي
الكاتب:
{pubdate}
ورد في تراث الأدب العربي أن الشاعر “المتنبي” قُتل ببيت شعر قاله، حتى اشتهر هذا البيت كثيرًا بأنه “البيت الذي قتل صاحبه”، فحين حاصره أعداؤه وقرر الفرار، ذكّره غلامه ببيته الشهير: “الخيل والليل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم”، فما كان منه إلا أن عاد للقتال حتى لقي حتفه.
والشاهد أن هذه الحادثة التاريخية لا تقتصر على ميادين القتال القديمة، بل تتجسد يومياً في عالم التداول، حيث يقع المستثمر ضحيةً لـ«خيله وليله»، متمثلاً ذلك في الثقة الزائدة والكبرياء اللذين يمنعانه من التراجع عن قرارٍ خاطئ، مما يحول المحفظة الاستثمارية إلى خسارة كبيرة.
فخ الثقة الزائدة
وعلى الرغم من أن الثقة صفة محمودة بصفة عامة، فإنها في سوق المال تنعكس سلباً على فرص المتداولين حين تتحول إلى “تضخم في الأنا”، حيث أثبتت الدراسات الأكاديمية أن الإفراط في الثقة يؤدي مباشرةً إلى “التداول المفرط” وتآكل الأرباح الصافية.
وفي هذا الإطار كشفت دراسة شهيرة فحصت حسابات 35 ألف أسرة أن الرجال، لكونهم الأكثر ثقةً عادةً في الشؤون المالية، تداولوا بنسبة 45% أكثر من النساء، لكنهم حققوا عوائد سنوية أقل بـ 2.65 نقطة مئوية بسبب تكاليف المعاملات، ليصبح المتداول هنا مثل المتنبي الذي قتله فخره بفروسيته وثقته بنفسه.
ولا شك أن الأمر يزداد تعقيداً حين يُعلن المتداول عن رأيه في سهمٍ ما على الملأ، حيث يجد نفسه سجيناً لما قاله، كما سُجن المتنبي في بيت شعره، إذ قد تجعل الانحيازات النفسية المتداول يرى في تغيير الموقف “مذلةً” يرفضها الكبرياء.
والملاحظ أن منصات التواصل الاجتماعي مثل “إكس” و”ريديت” وغيرهما تحولت إلى مصادر تغذي تضخم هذا الكبرياء الجماعي، ولعل موجة سهم “غيم ستوب” في عام 2021 خير دليل على ذلك.
فقد خلق الإعلان عن التمسك بشعارات ظهرت حول السهم مثل “سنذهب إلى القمر” (في إشارة إلى الصعود السريع للسهم) نوعاً من الكبرياء المشترك الذي جعل التراجع مكلفاً اجتماعياً، حيث تمسك الكثيرون بصفقاتهم حتى بعد تأكد تراجع السهم خوفاً من “الخيانة الاجتماعية” للمجموعة.
فقد تمكنت مجموعة من المنشورات التي تمسكت بشراء السهم على موقع “ريديت” من دفع سهم شركة متاجر التجزئة للألعاب “غيم ستوب” من سعر يبلغ حوالي 17 دولارًا أوائل يناير 2021 إلى مستوى قياسي بلغ 469.42 دولار في 28 يناير من الشهر نفسه، قبل أن ينهار سعر السهم بعدها بشهر لمستويات دون 17 دولارًا مجددًا.
وتمسك كثيرون بالسهم رغم اتضاح أن صعوده كان “فورة صعود” غير مبررة، وخسروا عندما عاد السهم دون مستوياته الأولى، ولا شك أن بعض المشترين كانت خسارتهم أكبر في ظل شرائهم للسهم في موجة صعوده.
وفي هذا الإطار، “المتشبثون بآرائهم” بدافع الكبرياء يضرون غيرهم وليس أنفسهم فحسب، لا سيما إذا كانوا مصدر ثقة من متداولين آخرين، حيث تشير التحليلات إلى أن “المشاعر” على “إكس” باتت مصدرًا مهمًا للتنبؤ باتجاهات الأسهم.
فبنسبة تفوق 85% ترتفع الأسهم التي يسود حولها “اتجاه إيجابي” على “إكس”، وجزء من هذا الاتجاه يعود بالطبع إلى بعض من يرفضون تغيير آرائهم رغم تغير الحقائق.
وعندما يكون المتداول محاصرًا بآراء هؤلاء، لا سيما مع عمل الخوارزميات التي تدعم اتجاه المتصفح فإن تغييره لرأيه حول سهم ما يكون صعبًا، وقد يخسر لاحقًا مع تكشف حقيقة ضعف أسس السهم الصاعد.
وعلى الرغم من وضوح الأرقام، فإن الكبرياء يظل المحرك الخفي لكثير من السلوكيات الخاطئة، ويمكن تلخيص أثر هذا الكبرياء فيالجدول التالي:
الانحياز النفسي
أثره على المستثمر
لماذا يشتد بعد الإعلان العلني؟
الثقة الزائدة
تداول مفرط وعائد أقل
النجاحات تضخم “الأنا” أمام الجمهور
الالتزامغير الرشيد
الاستمرار رغم الأدلة السلبية
تجنب فقدان “المصداقية” أمام المتابعين
أثر التصرف
التمسك بالخاسر وبيع الرابح
الخسارة المُعلنة موجعة نفسياً واجتماعياً
انحياز التأييد
تجاهل المعلومات المخالفة
غرف الصدى تؤكد القناعة المعلنة
فالعديد من المتداولين قد يرون في إعلان مواقفهم في السوق نوعاً من الشجاعة، إلا أن أبحاث عالم النفس الاجتماعي “روبرت سيالديني” توضح أن “الالتزام العلني” يخلق ضغطاً نفسياً هائلاً يجعل الفرد مدفوعاً للاستمرار في مسار خاطئ لمجرد الظهور بمظهر المتسق مع ذاته.
ويشيرسيالدينيإلى أن نسبة من يمتنعون عن تغيير آرائهم خشية الوصم الاجتماعي تختلف باختلاف القضايا، لكنها قد تصل إلى60%في بعض الحالات.
وحين يربط المستثمر هويته بسهمٍ ما بعد التصريح بقناعته علنًا، فإنه قد يمتنع عن تغيير رأيه خوفًا من الحكم السلبي عليه، تمامًا كما حدث مع المتنبي.
كما وجدت دراسة نشرتها جامعةكامبريدجحول تأثير العامل الاجتماعي في الاستثمار أن النقاشات العامة والعلنية تزيد من تبني الاستراتيجياتالنشطة، ما يؤدي إلى تقلباتٍ أكبر في سوق الأسهم.
ويعود ذلك إلى أن قصص النجاح تنتشر أسرع من غيرها، ومع ما تحققه من شهرة، يصبح من الصعب على أصحابها التراجع عنها، بل يصرّون عليها بوصفها مصدروجاهةداخل مجتمع المستثمرين.
ولا يمكن تحديد نسبة دقيقة للخاسرين بسبب هذا السلوك، لكن لا شك في أنه يسهم في خلق فقاعاتٍ سعرية نتيجة اندفاع المتداولين خلفحساباتيمنع الكبرياء أصحابها من التراجع عن آراء سبق نشرها.
ويبرز اسمنيك ليسونكنموذج صارخ لمن قادهم الكبرياء إلى الخسارة والسجن.
ففي أبريل 1992 عيّنه بنكبارينغزمسؤولًا عن مكتب العقود الآجلة في سنغافورة، وحقق ليسون أرباحًا من مضاربات غير مصرح بها بلغت10ملايين جنيه إسترليني(نحو 10% من أرباح البنك السنوية آنذاك).
وكافأه البنك بعمولة كبيرة، ما شجّعه على الاستمرار في مضارباته غير المصرّح بها.
ومع تحوّل الأرباح إلى خسائر، بدأ في إخفائها عن الإدارة، ثقةً منه بقدرته على تعويضها لاحقًا.
وبنهاية 1992 بلغت الخسائر2مليون جنيه، ثم ارتفعت إلى23مليونًافي أواخر 1993، وتضخّمت لتصل إلى208ملايين جنيهبنهاية 1994.
وعلى الرغم من فداحة الأرقام، لجأ ليسون إلى استراتيجية”المضاعفة”، معتمدًا على نجاحٍ سابق في تغطية خسارة قدرها6ملايين جنيهعبر مضاربات عالية المخاطر.
وقال ليسون لاحقًا إنه كان يصارع للحفاظ على سمعته كـ”عبقري تداول”،قبل أن يتكبد أسوأ خسائره في يناير 1995 مع الانهيار الحاد في السوق اليابانية، ما أطاح بمراهناته على استقرار السوق.
وواصل سياساته القائمة على المجازفة حتى بلغت الخسائر827مليون جنيه إسترليني، متسببةً في إفلاس البنك، ثم فرّ تاركًا رسالة قصيرة:”أنا آسف”قبل أن يُقبض عليه لاحقًا.
واعترف في مذكراته”المتداول المارق”(Rogue Trader)بأن إعجابه المفرط بقدراته ورفضه الاعتراف بالخطأ كانا جوهر أزمته.
ولكي تتجنب الاستثمارات في الأسهم مصير المتنبي، لا بد من تبني استراتيجيات تعزل “الهوية الشخصية” عن “الصفقة المالية”، والإقرار بأن الأسواق متغيرة لذا فتغير الآراء والمواقف فيها منطقي بل و”ضروري”.
لذا يفضل لمن يصرح بآرائه علانية في السوق أن يشرح أسبابها بشكل واف حتى يكون التغيير أسهل مع تغير الأسباب من خلال شرح جديد للتغيرات، حتى لا يقع في “فخ المتنبي” بالتمسك بآرائه القديمة بما يلحق به الضرر المؤكد.
المصادر: أرقام- إيكونوميست- بيهيفريال إيكونوميكس- فوربس- نيويورك تايمز


