صائد للكوبونات أم شريك في النمو؟
الكاتب:
{pubdate}
جلس الحكيم “وارن بافت” في أواخر الثمانينيات يراقب حركة سهم “كوكاكولا” وهي تتعافى من ندوب انهيار 1987، لم يكن يبحث عن قفزة تكنولوجية مجهولة، بل كان يطارد “كوبونات” نقدية تتدفق من عطش الملايين حول العالم، ليحول ذلك القرار الهادئ إلى ملحمة استثمارية جعلت من سهم المشروب الغازي “آلة لطباعة النقد” في محفظته لعقود.
وفي المقابل، وعلى الضفة الأخرى من النهر الاستثماري، كانت صرخات المتداولين في مطلع عام 2026 تمجد “إنفيديا” وهي تعلن عن إيرادات فصلية قياسية تجاوزت 57 مليار دولار، مدفوعة بجنون الرقائق التي لا توزع من الأرباح إلا النزر اليسير، لكنها تعد من يحالفها بامتلاك “مفتاح المستقبل” الرقمي.
بين هذين العالمين، يقف المستثمر حائراً أمام مفترق طرق مالي: هل يرتدي عباءة “صائد الكوبونات” الذي يقدس الأمان والدخل السلبي المتواتر، أم يركب موجة “شريك النمو” الذي يراهن على القفزات السعرية في سوق لا يعترف بالثبات؟
لماذا تظل أسهم “أرستقراطيي التوزيعات” الركيزة الأساسية للمحافظ الدفاعية؟
لكي تُصنف الشركة كـ “أرستقراطية” في السوق الأمريكي، يجب عليها رفع توزيعاتها سنوياً لمدة لا تقل عن 25 عامًا، ما يمنح المستثمر دخلاً متنامياً يحميه من التضخم وتقلبات السوق الحادة.
أثبتت هذه الشركات المدرجة في مؤشر “إس آند بي 500” كفاءتها تاريخياً، حيث ساهمت التوزيعات بنحو ثلث إجمالي عوائد الأسهم الأمريكية، مع تسجيل تراجعات أقل بنسبة كبيرة أثناء الركود مقارنة بالمؤشر العام.
أفضل 10 شركات ضمن “ملوك التوزيعات” في مؤشر “إس آند بي 500” لعام 2026
الترتيب
اسم الشركة
الرمز
عائد التوزيعات
سنوات نمو التوزيع
1
دوفر كوربوريشن (Dover)
DOV
0.92 %
71
2
جينوين بارتس (Genuine Parts)
GPC
3.63 %
70
3
بروكتر آند جامبل (GP)
PG
2.59 %
70
4
باركر هانيفين (Parker-Hannifin)
PH
0.71 %
70
5
إيمرسون إلكتريك (Emerson Electric)
EMR
1.49 %
69
6
سينسيناتي فاينانشال (Cincinnati Financial)
CINF
2.30 %
65
7
جونسون آند جونسون (JJ)
JNJ
2.12 %
64
8
كوكاكولا (Coca-Cola)
KO
2.64 %
64
9
كولجيت بالموليف (Colgate-Palmolive)
CL
2.15 %
63
10
نوردسون (Nordson)
NDSN
1.13 %
63
* كافة الشركات في الجدول أعلاه تجاوزت حاجز الـ 50 عاماً من زيادة التوزيعات، ما يضعها في فئة “الملوك” وهي مرتبة أعلى من “الأرستقراطيين”.
كيف يمكن لقطاع المرافق أن يكون ملاذاً آمناً في عام 2026؟
تعتبر شركات المرافق “أصولاً حقيقية” تولد تدفقات نقدية مستقرة بفضل طبيعة عملها الدفاعية التي لا تتأثر كثيراً بالدورة الاقتصادية، ما يجعلها صيداً ثميناً لهواة الكوبونات.
برزت شركة ” أتموس إنرجي – Atmos Energy” كنموذج استثماري قوي حيث رفعت توزيعاتها السنوية للأرباح لمدة 42 عامًا متتالية.
وتبلغ قيمة توزيعات الأرباح الجديدة للسنة المالية 2026 أربعة دولارات للسهم، ما يمثل زيادة تقارب 15% عن مستوى السنة المالية 2025، مستفيدة من الطلب المتزايد على الطاقة النظيفة وتوسيع قاعدة عملائها.
هل توفر السندات منافسة حقيقية لأسهم التوزيعات في ظل تراجع الفائدة؟
مع توجه البنوك المركزية لخفض الفائدة، تبدأ عوائد السندات والكاش في الانخفاض، مما يعيد الجاذبية لأسهم التوزيعات التي تقدم عائداً أعلى من السندات الحكومية.
توفر أسهم التوزيعات ميزة إضافية تتمثل في إمكانية ارتفاع سعر السهم نفسه، وهو ما لا توفره السندات التقليدية التي تكتفي بعائد ثابت عند الاستحقاق.
كيف يتم تقييم أداء “صائدي الكوبونات” في السوق الأوروبية؟
حققت أسهم القيمة في أوروبا عائدًا بنسبة 27.2% مقارنةً بنسبة 6.5% لأسهم النمو، خلال 12 شهراً منتهية في يناير، مدفوعة بأداء قطاعات الطاقة والمرافق والبنوك.
تبرز شركات مثل “توتال إنرجيز” و”إنيل – Enel” الإيطالية كأهم الوجهات لصائدي الكوبونات في أوروبا بعوائد توزيعات تصل إلى 6%، مدعومة باستقرار أسعار الطاقة العالمية.
ما دور شركة “إيه إس إم إل” كجسر بين النمو والتوزيع في أوروبا؟
تعتبر “إيه إس إم إل” الهولندية جوهرة التاج التكنولوجي الأوروبي، حيث ارتفع سهمها بنسبة 31.9% في مطلع 2026، لتظل المورد الوحيد عالمياً لآلات صناعة الرقائق الأكثر تقدماً.
رغم نموها القوي، تلتزم “إيه إس إم إل” بتوزيع أرباح، وإن كان بنسبة منخفضة، مما يجعلها خياراً فريداً يجمع بين استراتيجية النمو والحصول على “كوبونات” تقنية.
لماذا تعتبر “إنفيديا” البوصلة الحقيقية لشهية المخاطرة؟
تستمد الشركة نحو 91% من إيراداتها من قطاع مراكز البيانات، الذي شهد نموًا سنويًا بنسبة 75% ليصل إلى 62.3 مليار دولار في العام المالي 2026، بفضل استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
تضاعف صافي دخل الشركة المصنعة للرقائق تقريبًا ليصل إلى 43 مليار دولار، أو 1.76 دولار للسهم، في الربع الأخير، مقارنةً بـ 22.1 مليار دولار، أو 89 سنتًا للسهم، في الربع نفسه من العام الماضي.
تجاوزت هوامش الربح الإجمالية 71% بالنسبة للسنة المالية 2026، وهو ما قد يجعل “شركاء النمو” يتغاضون عن غياب التوزيعات النقدية الكبيرة لصالح القفزات السعرية الهائلة.
كيف يوازن المستثمر بين محاكاة استراتيجتي “وارن بافت” و”بيتر لينش” في محفظته؟
يشتهر “بافت” بتفضيل أسهم التوزيعات مثل “كوكاكولا” و”أمريكان إكسبريس”، لكنه في الوقت ذاته من أكبر مساهمي “آبل”، وهي سهم نمو بامتياز.
حقق صندوق “ماجلان” تحت إدارة “لينش” عائدًا سنويًا قدره 29.2% خلال 13 عامًا، أي أكثر من ضعف ما حققه السوق الأمريكي في تلك الفترة، من خلال استراتيجية مراقبة نجاح المنتجات في الأسواق قبل وصول صيتها إلى المحللين، مثل سلاسل المطاعم وشركات التكنولوجيا الصاعدة.
نهاية المطاف
إن جوهر النجاح المالي يكمن في التوازن الهيكلي بين طموح النمو في السوق الأمريكي وحكمة الأمان في التدفقات النقدية الأوروبية.
وبين ضجيج الأرقام وسكون الاستراتيجيات، لا يوجد رداء استثماري واحد يناسب الجميع؛ فصائد الكوبونات يشتري “الوقت” والسكينة، بينما شريك النمو يشتري “المستقبل” واحتمالاته.
فالاستثمار المستدام لا يقوم على المفاضلة بين اقتناص العوائد وبناء الشراكات، بل في دمجهما معاً؛ عبر تبني صبر “بافت” في اختيار الأصول، وفراسة “لينش” في فهم القيمة.
المصادر: أرقام – ناسداك – شور ديفيديند – إنفستوبيديا – ديفيديند دوت كوم – ديفيديند ماكس – ألفا آركيتيكت – مورجان ستانلي – سيمبلي وول ستريت – إنفيديا – مورنينج ستار.


