Fx Forsa

الرئيسيةالأخبار الأقتصادية‏اختيارات القراء .. الفقاعة التي تصنعها حكومات العالم

‏اختيارات القراء .. الفقاعة التي تصنعها حكومات العالم

-

‏اختيارات القراء .. الفقاعة التي تصنعها حكومات العالم

الكاتب:

{pubdate}

في صباح 24 سبتمبر 1869، اهتزت نيويورك على وقع واحدة من أعنف الأزمات المالية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث كان سوق الذهب آنذاك ساحة معركة مفتوحة بين الممولين “جاي جولد” و”جيمس فيسك” من جهة، والحكومة من جهة أخرى.

حاول الرجلان احتكار المعروض ورفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، قبل أن تتدخل وزارة الخزانة الأمريكية بضخ كميات كبيرة من الذهب، فانهارت الأسواق خلال ساعات قليلة.

خلال الانهيار الذي عرف لاحقًا بـ “الجمعة السوداء”، انخفضت أسعار الذهب بنحو 18% خلال جلسة واحدة، وانتقلت العدوى للأسهم التي هبطت 20% في نفس اليوم.

وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، يعود الذهب إلى الواجهة مجددًا، وسط هوس مضاربي تقوده موجة شراء مكثفة من قبل الحكومات حول العالم، فيما يخشى البعض أن تنتهي هذه الموجة بشكل مؤلم كما حدث في القرن التاسع عشر.

من بين المحذرين الأخ |( الفيصل )| الذي علق على تقرير سابق بقوله إن “تطورات أسعار الذهب تساهم في زيادة المخاطر من خلال تكوين فقاعة سعرية على نحو تدريجي”، وذكر أيضًا أن “تقليص بعض الدول لمشترياتها من الذهب يعني تباينًا في الاستراتيجيات وانقسامًا في الأولويات”.

بالنظر إلى السوابق التاريخية للفقاعات التي ساهمت السياسات الحكومية في تأجيجها أو انفجارها في نهاية المطاف، ومع الأخذ في الاعتبار التجارب القريبة والارتفاع الصاروخي للأسعار، تبدو هذه المخاوف منطقية، لكن هل ما يحدث فعلا فقاعة من صنع الحكومات؟

هل الطلب حقيقي؟

– اتسم المشهد النقدي العالمي في الربع الأول من عام 2026 بإعادة تقييم جوهرية للمخاطر، تمحورت حول الصعود التاريخي للذهب بعد تجاوزه عتبة 5 آلاف دولار للأوقية.

– موجة الارتفاع التي شهدت وصول المعدن الأصفر إلى متوسط ​​سعر سنوي قدره 3431 دولارًا للأوقية في عام 2025 (بزيادة قدرها 44% على أساس سنوي) كانت نتيجة تضافر عوامل عدة، منها التحولات الاستراتيجية السيادية، والتوتر الجيوسياسي، وعودة الطلب الاستثماري الغربي.

– غالبًا ما تُختزل سردية ارتفاع أسعار الذهب بين عامي 2024 و2026 إلى عامل واحد (الطلب السيادي)، إلا أن الأدلة تشير إلى شريحتين سوقيتين متميزتين، ففي المراحل الأولى من الارتفاع (بين 2022 و2024)، كان المحفز الرئيسي هو الطلب المكثف من قِبل البنوك المركزية في الأسواق الناشئة.

– كانت هذه الحركة السيادية مدفوعة برغبة في تنويع الاستثمارات بعيدًا عن الدولار؛ خوفًا من استخدام النظام المالي العالمي كسلاح (مثلما حدث مع روسيا)، ومع ذلك، بحلول عام 2025، شهد هيكل السوق تحولًا كبيرًا.

– حدث ذلك مع دخول المستثمرين المؤسسيين والأفراد الغربيين، الذين كانوا غائبين إلى حد كبير خلال المرحلة الأولى، إلى السوق بأموال طائلة، ففي عام 2025، أصبحت الصناديق المتداولة للذهب في الولايات المتحدة القوة المهيمنة في السوق المحلية.

ظاهرة الانعكاسية

– اشترت الصناديق 437 طنًا، بزيادة هائلة عن الكمية البالغة 3.8 طن في عام 2024، ورفع هذا إجمالي حيازات الصناديق المتداولة في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 2019 طنًا، ما يمثل إجمالي أصول مُدارة بقيمة 280 مليار دولار تقريبًا.

– على الصعيد العالمي، نمت حيازات الصناديق المتداولة بمقدار 801 طن خلال العام، مسجلةً ثاني أقوى أداء لهذا القطاع في التاريخ، مما وفر الزخم الصعودي اللازم لاختراق مستويات المقاومة طويلة الأمد، محولةً الذهب من أصل احتياطي دفاعي إلى أداة رئيسية للاستثمار.

تطور الطلب على الذهب في آخر عامين

القطاع

2024

(الطن)

2025

(الطن)

التغير السنوي

(%)

المجوهرات

1887

1542

(18)

استثمارات السبائك والعملات

1188

1374

+16

صافي مشتريات البنوك المركزية

1092

863

(21)

مشتريات/ مبيعات الصناديق المتداولة

(2.9)

801

+27700

التكنولوجيا

326

323

(1)

إجمالي الطلب العالمي

4631

4999

+8

– تكشف البيانات الأخيرة عن رؤية ثانوية بالغة الأهمية؛ فبينما تراجعت مشتريات البنوك المركزية فعليًا في عام 2025 مقارنةً بالوتيرة القياسية التي شهدتها بين 2022 و2024، إلا أن التقلبات الهائلة في توجهات الصناديق المتداولة خلقت عجزًا كان على الأسعار وحدها أن تعوضه.

– يعني ذلك أنه رغم أن الطلب الحكومي شكّل الأساس، فإن “الانعكاسية” في القطاع الخاص (وهي الظاهرة التي تؤدي فيها الأسعار المرتفعة إلى مزيد من الطلب، الذي يترتب عليه بدوره زيادة إضافية في الأسعار) كانت الوقود الذي غذّى أحدث موجة من الارتفاعات.

هل خرجت الحكومات من اللعبة؟

– يشير سلوك البنوك المركزية مؤخرًا إلى أنها لا تكتفي بالاستثمار في الذهب، بل تتعامل معه كأداة نقدية دائمة، فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2009، تحول القطاع من بائع هيكلي للذهب إلى مشترٍ دائم (خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا).

– يتمثل الدافع الرئيسي لزيادة مشتريات الدول من الذهب في المخاطر المتصورة للأصول الورقية، مثل سندات الخزانة الأمريكية، التي تنطوي على مخاطر سوقية وسياسية، في حين يوفر الذهب الحياد والسيولة وانعدام المخاطر المرتبطة بالطرف المُصدر للأصل.

– ينعكس هذا التحول في حقيقة أنه ولأول مرة منذ التسعينيات، أصبحت البنوك المركزية تمتلك الآن ذهبًا أكثر من سندات الخزانة الأمريكية من حيث القيمة.

– يمثل الذهب أكثر من 70% من إجمالي الاحتياطيات النقدية لدى كل من الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، فيما يبلغ 32% في روسيا و11% في الهند و6% في الصين.

– هذا التباين في “حصة الاحتياطيات” مؤشر بالغ الأهمية، إذ لا تزال اقتصادات ضخمة مثل الصين والهند تحتفظ بنسبة أقل بكثير من الدول الغربية، مما يشير إلى وجود مجال واسع لمواصلة التراكم.

لكن ماذا عن تراجع المشتريات؟

– يعد التباين بين بيانات صندوق النقد الدولي المُعلنة ونشاط السوق الفعلي جانبًا بالغ الأهمية لتقييم الطلب في السوق، ففي عام 2025، قُدّر أن 57% من إجمالي مشتريات البنوك المركزية كانت “غير شفافة”، أي أنها تمت عبر صناديق الثروة السيادية أو غيرها من الأدوات التي لا تتطلب إفصاحًا فوريًا.

– على سبيل المثال، أفصح بنك الشعب الصيني رسميًا عن زيادة قدرها 27 طنًا في عام 2025، لكن قدر محللو “سوسيتيه جنرال” إجمالي مشترياته الفعلية بنحو 250 طنًا في العام الماضي.

– أما بالنسبة لتباطؤ صافي مشتريات البنوك المركزية (أكثر من ألف طن عام 2024 إلى 863 طنًا في عام 2025) فلا يشير إلى تحوّل في الاستراتيجية، بل إلى تعديل تكتيكي لمواكبة ارتفاع الأسعار.

– مع ارتفاع الأسعار، أرجأت بعض البنوك المركزية عمليات الشراء حتى انحسار التقلبات، لكن الأهم، أن تباطؤ المشتريات كان من حيث الحجم، وأصبح بمقدور البنوك بلوغ النسبة المطلوبة (الذهب إلى إجمالي الاحتياطيات) عن طريق شراء كميات أقل.

– رغم أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع يعبر عنه الحجم فقط وليس القيمة، فإن الزيادة المسجلة خلال عام 2025 كانت رابع أكبر زيادة سنوية في احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية على الإطلاق.

ماذا عن الفقاعة المزعومة؟

– تُعدّ دورة “1971-1980″ أبرز مثال تاريخي يُشابه الوضع الحالي، حيث دفعت عوامل التضخم، وصدمات أسعار النفط، والأزمات الجيوسياسية المستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب كبديلٍ آمنٍ للعملات الورقية.

– بلغ سعر الذهب ذروته عند حوالي 850 دولارًا للأوقية عام 1980 قبل أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى 20% لكبح جماح التضخم، مما أعاد الثقة بالدولار، وأدى إلى تصحيحٍ حادٍّ خسر فيه الذهب أكثر من 25% من قيمته في عام واحد.

– يشترك الوضع الحالي مع ما يُعرف بـ”القلق التضخمي” الذي ساد في سبعينيات القرن الماضي، ولكنه يختلف في طبيعة الديون، حيث بلغت نسبة ديون الحكومة الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي 32% بحلول عام 1980، مما سمح برفع أسعار الفائدة بشكل حاد.

– أما في عام 2026، ومع وصول الدين العالمي إلى ما يُقدّر بنحو 340 تريليون دولار، وتجاوز نسبة ديون الحكومة الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي 120%، فإن هامش المناورة المتاح للفيدرالي أصبح محدودًا للغاية.

– هذا يُشير إلى أن تكرار انهيار عام 1980 أصبح أقل احتمالًا، خاصة أن البنوك المركزية قد تضطر إلى قبول معدلات تضخم أعلى لتجنب أزمة ديون نظامية، وهو سيناريو يُرجّح كفة الذهب هيكليًا.

ماذا عن التصحيح الأخير؟

– تشير تحركات الأسعار الأخيرة إلى “إعادة تقييم” وليس “انفجار فقاعة”، حيث تم استبدال مستوى الدعم التاريخي البالغ 2000 دولار بمستوى دعم هيكلي جديد، قد يتراوح بين 3500 و4000 دولار، مع توقعات معتبرة لتجاوز الأوقية 6000 دولار هذا العام.

– فيما يُظهر التحليل الفني لانهيار أواخر يناير (من 5602 دولار إلى 4402 دولار)، دورة مضاربة كلاسيكية ضمن سوق صاعدة طويلة الأجل، ويرى المحللون أن هذا ليس انعكاسًا للاتجاه، بل “عودة إلى المتوسط”، والتي تبدو فترة تهدئة وجيزة وصحية.

– في أوائل نوفمبر، بلغت مكاسب الذهب (منذ بداية عام 2025) 50% ووصل السعر إلى 4 آلاف دولار، كثرت آنذاك المخاوف من تصحيح عنيف وتجدد الحديث عن فقاعة محتملة.

– واصل المعدن النفيس مساره الصعودي، وهو الآن أعلى نحو 30% مما كان عليه قبل 4 أشهر رغم التصحيح الذي شهده في أواخر يناير واستغرق يومين قبل أن يعوض الذهب معظم خسائره، وتتفق بيوت الخبرة على أن المسار الصعودي لن ينتهي قريبًا.. فهل لا تزال تعتقد بأن فقاعة تشكلت أو أوشكت على الانفجار؟

المصادر: أرقام- مجلس الذهب العالمي- بي بي إس- مدونة ليبرتي ستريت إيكونوميكس- مكتبة الكونغرس الأمريكي- جلوبال بوليون سابلايرز- أموندي ريسيرش سنتر- تي رو برايس- معهد بروكينجز- بنك التسويات الدولية- ميديوم- مونيكس- جولد ماركت ديريف- جيه روتبارت

اقرأ الخبر من المصدر

مختارات التحليل والأخبار الأقتصادية

أخر الأخبار

- Advertisement -spot_img

‏اختيارات القراء .. الفقاعة التي تصنعها حكومات العالم

الكاتب:

{pubdate}

في صباح 24 سبتمبر 1869، اهتزت نيويورك على وقع واحدة من أعنف الأزمات المالية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث كان سوق الذهب آنذاك ساحة معركة مفتوحة بين الممولين “جاي جولد” و”جيمس فيسك” من جهة، والحكومة من جهة أخرى.

حاول الرجلان احتكار المعروض ورفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، قبل أن تتدخل وزارة الخزانة الأمريكية بضخ كميات كبيرة من الذهب، فانهارت الأسواق خلال ساعات قليلة.

خلال الانهيار الذي عرف لاحقًا بـ “الجمعة السوداء”، انخفضت أسعار الذهب بنحو 18% خلال جلسة واحدة، وانتقلت العدوى للأسهم التي هبطت 20% في نفس اليوم.

وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، يعود الذهب إلى الواجهة مجددًا، وسط هوس مضاربي تقوده موجة شراء مكثفة من قبل الحكومات حول العالم، فيما يخشى البعض أن تنتهي هذه الموجة بشكل مؤلم كما حدث في القرن التاسع عشر.

من بين المحذرين الأخ |( الفيصل )| الذي علق على تقرير سابق بقوله إن “تطورات أسعار الذهب تساهم في زيادة المخاطر من خلال تكوين فقاعة سعرية على نحو تدريجي”، وذكر أيضًا أن “تقليص بعض الدول لمشترياتها من الذهب يعني تباينًا في الاستراتيجيات وانقسامًا في الأولويات”.

بالنظر إلى السوابق التاريخية للفقاعات التي ساهمت السياسات الحكومية في تأجيجها أو انفجارها في نهاية المطاف، ومع الأخذ في الاعتبار التجارب القريبة والارتفاع الصاروخي للأسعار، تبدو هذه المخاوف منطقية، لكن هل ما يحدث فعلا فقاعة من صنع الحكومات؟

هل الطلب حقيقي؟

– اتسم المشهد النقدي العالمي في الربع الأول من عام 2026 بإعادة تقييم جوهرية للمخاطر، تمحورت حول الصعود التاريخي للذهب بعد تجاوزه عتبة 5 آلاف دولار للأوقية.

– موجة الارتفاع التي شهدت وصول المعدن الأصفر إلى متوسط ​​سعر سنوي قدره 3431 دولارًا للأوقية في عام 2025 (بزيادة قدرها 44% على أساس سنوي) كانت نتيجة تضافر عوامل عدة، منها التحولات الاستراتيجية السيادية، والتوتر الجيوسياسي، وعودة الطلب الاستثماري الغربي.

– غالبًا ما تُختزل سردية ارتفاع أسعار الذهب بين عامي 2024 و2026 إلى عامل واحد (الطلب السيادي)، إلا أن الأدلة تشير إلى شريحتين سوقيتين متميزتين، ففي المراحل الأولى من الارتفاع (بين 2022 و2024)، كان المحفز الرئيسي هو الطلب المكثف من قِبل البنوك المركزية في الأسواق الناشئة.

– كانت هذه الحركة السيادية مدفوعة برغبة في تنويع الاستثمارات بعيدًا عن الدولار؛ خوفًا من استخدام النظام المالي العالمي كسلاح (مثلما حدث مع روسيا)، ومع ذلك، بحلول عام 2025، شهد هيكل السوق تحولًا كبيرًا.

– حدث ذلك مع دخول المستثمرين المؤسسيين والأفراد الغربيين، الذين كانوا غائبين إلى حد كبير خلال المرحلة الأولى، إلى السوق بأموال طائلة، ففي عام 2025، أصبحت الصناديق المتداولة للذهب في الولايات المتحدة القوة المهيمنة في السوق المحلية.

ظاهرة الانعكاسية

– اشترت الصناديق 437 طنًا، بزيادة هائلة عن الكمية البالغة 3.8 طن في عام 2024، ورفع هذا إجمالي حيازات الصناديق المتداولة في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 2019 طنًا، ما يمثل إجمالي أصول مُدارة بقيمة 280 مليار دولار تقريبًا.

– على الصعيد العالمي، نمت حيازات الصناديق المتداولة بمقدار 801 طن خلال العام، مسجلةً ثاني أقوى أداء لهذا القطاع في التاريخ، مما وفر الزخم الصعودي اللازم لاختراق مستويات المقاومة طويلة الأمد، محولةً الذهب من أصل احتياطي دفاعي إلى أداة رئيسية للاستثمار.

تطور الطلب على الذهب في آخر عامين

القطاع

2024

(الطن)

2025

(الطن)

التغير السنوي

(%)

المجوهرات

1887

1542

(18)

استثمارات السبائك والعملات

1188

1374

+16

صافي مشتريات البنوك المركزية

1092

863

(21)

مشتريات/ مبيعات الصناديق المتداولة

(2.9)

801

+27700

التكنولوجيا

326

323

(1)

إجمالي الطلب العالمي

4631

4999

+8

– تكشف البيانات الأخيرة عن رؤية ثانوية بالغة الأهمية؛ فبينما تراجعت مشتريات البنوك المركزية فعليًا في عام 2025 مقارنةً بالوتيرة القياسية التي شهدتها بين 2022 و2024، إلا أن التقلبات الهائلة في توجهات الصناديق المتداولة خلقت عجزًا كان على الأسعار وحدها أن تعوضه.

– يعني ذلك أنه رغم أن الطلب الحكومي شكّل الأساس، فإن “الانعكاسية” في القطاع الخاص (وهي الظاهرة التي تؤدي فيها الأسعار المرتفعة إلى مزيد من الطلب، الذي يترتب عليه بدوره زيادة إضافية في الأسعار) كانت الوقود الذي غذّى أحدث موجة من الارتفاعات.

هل خرجت الحكومات من اللعبة؟

– يشير سلوك البنوك المركزية مؤخرًا إلى أنها لا تكتفي بالاستثمار في الذهب، بل تتعامل معه كأداة نقدية دائمة، فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2009، تحول القطاع من بائع هيكلي للذهب إلى مشترٍ دائم (خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا).

– يتمثل الدافع الرئيسي لزيادة مشتريات الدول من الذهب في المخاطر المتصورة للأصول الورقية، مثل سندات الخزانة الأمريكية، التي تنطوي على مخاطر سوقية وسياسية، في حين يوفر الذهب الحياد والسيولة وانعدام المخاطر المرتبطة بالطرف المُصدر للأصل.

– ينعكس هذا التحول في حقيقة أنه ولأول مرة منذ التسعينيات، أصبحت البنوك المركزية تمتلك الآن ذهبًا أكثر من سندات الخزانة الأمريكية من حيث القيمة.

– يمثل الذهب أكثر من 70% من إجمالي الاحتياطيات النقدية لدى كل من الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا، فيما يبلغ 32% في روسيا و11% في الهند و6% في الصين.

– هذا التباين في “حصة الاحتياطيات” مؤشر بالغ الأهمية، إذ لا تزال اقتصادات ضخمة مثل الصين والهند تحتفظ بنسبة أقل بكثير من الدول الغربية، مما يشير إلى وجود مجال واسع لمواصلة التراكم.

لكن ماذا عن تراجع المشتريات؟

– يعد التباين بين بيانات صندوق النقد الدولي المُعلنة ونشاط السوق الفعلي جانبًا بالغ الأهمية لتقييم الطلب في السوق، ففي عام 2025، قُدّر أن 57% من إجمالي مشتريات البنوك المركزية كانت “غير شفافة”، أي أنها تمت عبر صناديق الثروة السيادية أو غيرها من الأدوات التي لا تتطلب إفصاحًا فوريًا.

– على سبيل المثال، أفصح بنك الشعب الصيني رسميًا عن زيادة قدرها 27 طنًا في عام 2025، لكن قدر محللو “سوسيتيه جنرال” إجمالي مشترياته الفعلية بنحو 250 طنًا في العام الماضي.

– أما بالنسبة لتباطؤ صافي مشتريات البنوك المركزية (أكثر من ألف طن عام 2024 إلى 863 طنًا في عام 2025) فلا يشير إلى تحوّل في الاستراتيجية، بل إلى تعديل تكتيكي لمواكبة ارتفاع الأسعار.

– مع ارتفاع الأسعار، أرجأت بعض البنوك المركزية عمليات الشراء حتى انحسار التقلبات، لكن الأهم، أن تباطؤ المشتريات كان من حيث الحجم، وأصبح بمقدور البنوك بلوغ النسبة المطلوبة (الذهب إلى إجمالي الاحتياطيات) عن طريق شراء كميات أقل.

– رغم أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع يعبر عنه الحجم فقط وليس القيمة، فإن الزيادة المسجلة خلال عام 2025 كانت رابع أكبر زيادة سنوية في احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية على الإطلاق.

ماذا عن الفقاعة المزعومة؟

– تُعدّ دورة “1971-1980″ أبرز مثال تاريخي يُشابه الوضع الحالي، حيث دفعت عوامل التضخم، وصدمات أسعار النفط، والأزمات الجيوسياسية المستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب كبديلٍ آمنٍ للعملات الورقية.

– بلغ سعر الذهب ذروته عند حوالي 850 دولارًا للأوقية عام 1980 قبل أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى 20% لكبح جماح التضخم، مما أعاد الثقة بالدولار، وأدى إلى تصحيحٍ حادٍّ خسر فيه الذهب أكثر من 25% من قيمته في عام واحد.

– يشترك الوضع الحالي مع ما يُعرف بـ”القلق التضخمي” الذي ساد في سبعينيات القرن الماضي، ولكنه يختلف في طبيعة الديون، حيث بلغت نسبة ديون الحكومة الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي 32% بحلول عام 1980، مما سمح برفع أسعار الفائدة بشكل حاد.

– أما في عام 2026، ومع وصول الدين العالمي إلى ما يُقدّر بنحو 340 تريليون دولار، وتجاوز نسبة ديون الحكومة الأمريكية إلى الناتج المحلي الإجمالي 120%، فإن هامش المناورة المتاح للفيدرالي أصبح محدودًا للغاية.

– هذا يُشير إلى أن تكرار انهيار عام 1980 أصبح أقل احتمالًا، خاصة أن البنوك المركزية قد تضطر إلى قبول معدلات تضخم أعلى لتجنب أزمة ديون نظامية، وهو سيناريو يُرجّح كفة الذهب هيكليًا.

ماذا عن التصحيح الأخير؟

– تشير تحركات الأسعار الأخيرة إلى “إعادة تقييم” وليس “انفجار فقاعة”، حيث تم استبدال مستوى الدعم التاريخي البالغ 2000 دولار بمستوى دعم هيكلي جديد، قد يتراوح بين 3500 و4000 دولار، مع توقعات معتبرة لتجاوز الأوقية 6000 دولار هذا العام.

– فيما يُظهر التحليل الفني لانهيار أواخر يناير (من 5602 دولار إلى 4402 دولار)، دورة مضاربة كلاسيكية ضمن سوق صاعدة طويلة الأجل، ويرى المحللون أن هذا ليس انعكاسًا للاتجاه، بل “عودة إلى المتوسط”، والتي تبدو فترة تهدئة وجيزة وصحية.

– في أوائل نوفمبر، بلغت مكاسب الذهب (منذ بداية عام 2025) 50% ووصل السعر إلى 4 آلاف دولار، كثرت آنذاك المخاوف من تصحيح عنيف وتجدد الحديث عن فقاعة محتملة.

– واصل المعدن النفيس مساره الصعودي، وهو الآن أعلى نحو 30% مما كان عليه قبل 4 أشهر رغم التصحيح الذي شهده في أواخر يناير واستغرق يومين قبل أن يعوض الذهب معظم خسائره، وتتفق بيوت الخبرة على أن المسار الصعودي لن ينتهي قريبًا.. فهل لا تزال تعتقد بأن فقاعة تشكلت أو أوشكت على الانفجار؟

المصادر: أرقام- مجلس الذهب العالمي- بي بي إس- مدونة ليبرتي ستريت إيكونوميكس- مكتبة الكونغرس الأمريكي- جلوبال بوليون سابلايرز- أموندي ريسيرش سنتر- تي رو برايس- معهد بروكينجز- بنك التسويات الدولية- ميديوم- مونيكس- جولد ماركت ديريف- جيه روتبارت

اقرأ الخبر من المصدر

Must Read

- Advertisement -spot_img

Editor Picks

هل تحتاج مساعدة لاختيار الباقة الأنسب لك؟