Fx Forsa

الرئيسيةالأخبار الأقتصادية‏خبراء لـ أرقام: تحركات وسياسات ترامب تهدد الاقتصاد العالمي

‏خبراء لـ أرقام: تحركات وسياسات ترامب تهدد الاقتصاد العالمي

-

‏خبراء لـ أرقام: تحركات وسياسات ترامب تهدد الاقتصاد العالمي

الكاتب:

{pubdate}

في عالم لم يتعافَ بالكامل من صدمات الجائحة، ولا من تبعات الحرب في أوكرانيا، تعود السياسات الاقتصادية الأمريكية إلى صدارة المشهد العالمي.

فمنذ عودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض العام الماضي، تصاعد الجدل مجددًا حول توجهاته الحمائية، وضغوطه على السياسة النقدية، وإمكانية انخراطه في تصعيدات عسكرية قد تعيد رسم خريطة المخاطر الجيوسياسية.

تلك التحركات تسببت في طرح العديد من الأسئلة على رأسها هل تمثل تحركات “ترامب” فرصة لإعادة تموضع الاقتصاد الأمريكي، أم أنها تحمل في طياتها مخاطر تضر بالنمو العالمي، وتعيد إنتاج موجات تضخم واضطراب تجاري جديدة؟

ويمثل الاقتصاد الأمريكي نحو ربع الناتج العالمي الاسمي وفق تقديرات المؤسسات الدولية، فيما لا يزال الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، ما يجعل أي تحول في السياسات الاقتصادية داخل واشنطن ذا أثر عابر للحدود.

فعندما تفرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية، لا تتأثر التجارة الثنائية بينها وبين الدولة التي فُرضت عليها رسوم فقط، بل تمتد التداعيات إلى سلاسل الإمداد الممتدة من آسيا إلى أوروبا.

وعندما يتعرض الاحتياطي الفيدرالي لضغوط سياسية بشأن أسعار الفائدة، لا تنعكس النتائج على سوق السندات الأمريكية فحسب، بل على كلفة التمويل في الأسواق الناشئة بأكملها.

أما أي تصعيد عسكري في مناطق استراتيجية للطاقة، فيكفي مجرد احتماله لإعادة تسعير النفط والذهب والعملات في غضون ساعات.

السياسات الحمائية.. حماية للصناعة أم عبء تضخمي؟

تبنى ترامب نهجًا حمائيًا يقوم على فرض رسوم جمركية موسعة على واردات من الصين وأوروبا، مستندًا إلى أدوات قانونية مثل المادة 122 من قانون التجارة الأمريكي حيث يستند أنصار هذا النهج إلى فكرة حماية الصناعة المحلية واستعادة الوظائف.

وبحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، نما اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 2.2% خلال عام 2025، فيما تباطأ النمو في الربع الرابع إلى 1.4% فقط. هذه الأرقام تعكس اقتصادًا لا يزال يتوسع، لكن دون قفزة نوعية يمكن نسبها مباشرة للحمائية.

أما التضخم، فوفق بيانات مكتب إحصائيات العمل الأمريكي، بلغ معدل التضخم السنوي 2.4%، فيما سجل التضخم الأساسي 2.5%، بينما أظهر مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (المقياس المفضل للفيدرالي) قراءة قرب 2.9%.

وفي هذا الإطار يرى “هاني أبوعاقلة”، كبير محللي الأسواق في إكس تي بي (XTB)، في تصريحات خاصة لـ “أرقام” أن بعض الصناعات – مثل الصلب والألمنيوم – استفادت جزئيًا من الرسوم، مع تحسن طفيف في التوظيف، لكن “الكلفة انتقلت إلى قطاعات أوسع”.

وأضاف أن الشركات الأمريكية الكبرى لجأت إلى تخزين المواد الخام لتفادي الرسوم، ما تسبب في اختناقات وتأخير تسليمات، خصوصًا في المعادن النادرة.

هذا السلوك، وفق رأيه، لم يبقَ محليًا، بل انعكس على الأسواق العالمية نتيجة إعادة توجيه الطلب وتسابق الشركات على الموارد، بحسب ما ذكر “أبوعاقلة”.

ويؤكد كلام “أبوعاقلة” التجارب السابقة؛ إذ أظهرت دراسات اقتصادية أمريكية أن الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية خلال موجة 2018–2019 تحمله المستورد الأمريكي والمستهلك، لا المصدر الأجنبي.

أما أحمد عزام، رئيس الأبحاث في إكويتي جروب (Equiti Group)، فيضع المسألة في إطار الاقتصاد الكلي، قائلًا في تصريحات خاصة لـ “أرقام” إن الحمائية “توفر مكاسب سياسية سريعة ومرئية، لكنها تفرض كلفة أبطأ وأوسع انتشارًا”.

ويستشهد بتجربة موجة الرسوم السابقة، حيث أظهرت دراسات أمريكية أن الجزء الأكبر من الرسوم انتقل إلى المستورد الأمريكي، والموزع، والمستهلك النهائي.

ويرى عزام أن استمرار الرسوم في بيئة تضخم لم يُحسم بعد قد يؤدي إلى الضغط على القوة الشرائية، وتراجع ثقة المستهلك، وتباطؤ الاستثمار الخاص بسبب عدم اليقين.

ويضيف أن عدم اليقين المرتبط بإمكانية استخدام أدوات تعريفات إضافية يزيد حساسية الأسواق تجاه أي إعلان تجاري جديد.

أما علي متولي، الاستشاري الاقتصادي في لندن، فينظر إلى المسألة من زاوية النظام التجاري العالمي. واعتبر في تصريحات خاصة لـ “أرقام” أن الخطر لا يكمن فقط في الرسوم نفسها، بل في “شرعنة” الحمائية كأداة تفاوضية دائمة.

ويحذر من أن الاقتصادات الكبرى – مثل الصين والاتحاد الأوروبي – قد لا ترد فقط برسوم مماثلة، بل عبر أدوات أوسع تشمل قيود تصدير، وتحقيقات دعم وإغراق، وتقييد الوصول إلى الأسواق.

وأضاف أن هذا الاتجاه، إذا توسع، قد يعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية للتتجه نحو الإقليمية بشكل أكبر، “ما يرفع التكلفة الهيكلية للإنتاج عالميًا ويؤدي إلى تباطؤ مستدام في التجارة الدولية”.

وقد حذرت منظمة التجارة العالمية سابقًا من أن تصاعد القيود التجارية يضغط على نمو التجارة العالمية، بينما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تباطؤ النمو العالمي إلى 2.9% في 2026 جراء هذه التوترات.

ضغط الفائدة.. دعم للنمو أم شرارة تضخم جديدة؟

يمارس ترامب ضغوطًا علنية على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة دعمًا للنمو. لكن هل الاستجابة لذلك ستفيد الاقتصاد العالمي؟

أبقى الفيدرالي الأمريكي الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، مشيرًا إلى أن التضخم لا يزال “أعلى قليلًا من المستهدف”. ومع تضخم عند 2.4% ومؤشر إنفاق استهلاكي عند 2.9%، فإن الفيدرالي يتحرك بحذر.

“أحمد عزام” يوضح أن خفض الفائدة مبكرًا قد يمنح الأسواق دفعة قصيرة الأجل عبر تحسن شهية المخاطرة، وضعف نسبي للدولار، وتخفيف كلفة التمويل لكن حذر من أن الخطر يكمن في تزامن التيسير النقدي مع صدمات جديدة مثل الرسوم أو ارتفاع الطاقة.

التاريخ يقدم درسًا مهمًا؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، أدى التراخي النقدي أمام صدمات النفط إلى موجة تضخم مزدوجة، اضطر معها الفيدرالي لاحقًا لرفع الفائدة بقوة، ما تسبب في ركود حاد.

أما “هاني أبوعاقلة” فيشير إلى أن أسعار الطاقة أصبحت “اللاعب الرئيسي في مسار التضخم”، وأن أي صعود مفاجئ في النفط قد يعكس مسار تراجع التضخم الحالي، خاصة أن جزءًا من الانخفاض الأخير جاء نتيجة تراجع أسعار الطاقة والسيارات المستعملة.

من جهته ألمح “علي متولي”، إلى أن استجابة الفيدرالي لضغوط سياسية قد تُفهم عالميًا كإضعاف لاستقلاليته، ما يرفع علاوة المخاطر على الأصول الأمريكية ويزيد تقلبات الأسواق الناشئة المرتبطة بالدولار.

التصعيد العسكري.. وآثاره الاقتصادية

البعد الجيوسياسي عنصر لا يمكن تجاهله عند تناول مسار نمو الاقتصاد العالمي لأن أي تصعيد عسكري تقوده واشنطن، خاصة في حال قيامها بضرب إيران، سيضع أسواق الطاقة تحت المجهر.

ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وفي هذا الإطار يلفت “عزام”، النظر إلى أن الأثر لا يتوقف عند أسعار النفط، بل يمتد سريعًا إلى مسارات أخرى، مضيفًا أنه إذا ارتفعت الطاقة بشكل حاد، قد يؤدي ذلك إلى إعادة تسارع التضخم الأمريكي، وتعطيل مسار خفض الفائدة، وزيادة تقلبات أسواق الأسهم والسندات.

ويرى “عزام” أن الأسواق عادة تسعّر المخاطر على مرحلتين الأولى تتمثل في استجابة فورية في النفط والذهب والعملات الدفاعية ثم انتقال تدريجي إلى الاقتصاد الحقيقي عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.

ويضيف أن أي موجة تضخمية جديدة مدفوعة بالطاقة قد تعقّد حسابات الفيدرالي الأمريكي، خاصة إذا تزامنت مع ضغوط سياسية لخفض الفائدة.

من جانبه يرى “علي متولي” أن السيناريو الأخطر ليس ضربة محدودة وسريعة، بل تصعيد ممتد أو رد فعل إيراني واسع النطاق.

وأوضح أنه في حال اتساع المواجهة، قد نشهد إعادة توجيه طرق الشحن إلى مسارات أطول، وارتفاع أقساط التأمين البحري، وبالتالي زيادة تكاليف النقل العالمية، وحدوث ضغط إضافي على سلاسل الإمداد.

ويؤكد أن إغلاقًا كاملاً للمضيق يظل سيناريو معقدًا تقنيًا وسياسيًا، لكنه يشدد على أن “الأسواق لا تنتظر الإغلاق الكامل لتسعير الخطر”.

أما “هاني أبوعاقلة” فيتوقع أن يؤدي أي تصعيد عسكري مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط بين 10 و15 دولارًا خلال فترة قصيرة، بشرط عدم استهداف ناقلات النفط مباشرة أو إغلاق فعلي للمضيق.

ويشير إلى أن الأسواق شديدة الحساسية حاليًا للمخاطر الجيوسياسية، وأن ارتفاع أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن قد يحدث حتى دون تعطل فعلي للإمدادات، بمعنى آخر، السوق يسعّر الاحتمال قبل وقوع الحدث.

هل تنتقل العدوى الحمائية عالميًا؟

الخطر الأكبر قد لا يكون في الرسوم نفسها، بل في انتشار منطق الحمائية.

وبالفعل ردت الصين برسوم مضادة وقيود تصدير، خاصة على المعادن الأرضية النادرة، فيما يناقش الاتحاد الأوروبي استخدام “أداة مكافحة الإكراه” التي تسمح باستهداف خدمات، وليس فقط سلعًا.

ويوضح “علي متولي” أن السيناريو الأخطر ليس “حرب الرسوم”، بل تفكك تدريجي في سلاسل القيمة العالمية.

وتابع يقول إنه إذا اتسعت دائرة الردود بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا، فقد نشهد زيادة الاتجاه نحو الإقليمية في سلاسل التوريد، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وانكماشًا في تجارة السلع، وتباطؤًا مستدامًا في معدلات النمو العالمي.

وحذر من أن هذا الاتجاه قد يعيد الاقتصاد العالمي إلى نمط أكثر تجزئة، ما يقلل من كفاءة توزيع الموارد عالميًا ويزيد من التقلبات.

ويؤكد “هاني أبوعاقلة”، أن انتقال العدوى الحمائية أصبح احتمالًا قائمًا بالفعل، مشيرًا إلى أن “الدول التي تتعرض للرسوم لا تملك رفاهية الصمت”.

كما أوضح أن الردود قد لا تقتصر دائمًا على تعريفات مماثلة فقط، بل تتوسع لتشمل تقييد صادرات مواد استراتيجية مثلما قيدت الصين تصدير الفضة بدون ترخيص، إضافة إلى دعم صناعات محلية بشكل انتقائي.

من جانبه وصف “أحمد عزام” السيناريو المحتمل بأنه “إعادة تسعير طويلة ومكلفة للعولمة”.

ويشرح أن الخطر لا يتمثل فقط في الرسوم نفسها، بل في عنصر عدم اليقين، فالشركات العالمية حين يضطرب المشهد الاقتصادي، فإنها تميل إلى تأجيل قرارات الاستثمار، وتقليص خطط التوسع، والاحتفاظ بسيولة أعلى بدل ضخ استثمارات إنتاجية.

ويضيف أن انتقال العدوى الحمائية قد يدفع رؤوس الأموال نحو أدوات الدين والملاذات الآمنة بدل الاستثمار الحقيقي، ما يضغط على النمو طويل الأجل.

وفي ظل الأحداث الحالية يقف الاقتصاد العالمي عند مفترق طرق؛ إما احتواء التوترات ضمن أطر تفاوضية، أو الانزلاق إلى دورة جديدة من التجزؤ والتباطؤ.

وفي عالم مترابط ماليًا وتجاريًا، فإن أي قرار في واشنطن لم يعد شأنًا محليًا، بل شرارة محتملة تمتد آثارها إلى كل القارات.

المصادر: أرقام- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- رويترز- الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- بلومبرج- منظمة التجارة العالمية- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- مكتب إحصاءات العمل الأمريكي- مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي

اقرأ الخبر من المصدر

مختارات التحليل والأخبار الأقتصادية

أخر الأخبار

- Advertisement -spot_img

‏خبراء لـ أرقام: تحركات وسياسات ترامب تهدد الاقتصاد العالمي

الكاتب:

{pubdate}

في عالم لم يتعافَ بالكامل من صدمات الجائحة، ولا من تبعات الحرب في أوكرانيا، تعود السياسات الاقتصادية الأمريكية إلى صدارة المشهد العالمي.

فمنذ عودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض العام الماضي، تصاعد الجدل مجددًا حول توجهاته الحمائية، وضغوطه على السياسة النقدية، وإمكانية انخراطه في تصعيدات عسكرية قد تعيد رسم خريطة المخاطر الجيوسياسية.

تلك التحركات تسببت في طرح العديد من الأسئلة على رأسها هل تمثل تحركات “ترامب” فرصة لإعادة تموضع الاقتصاد الأمريكي، أم أنها تحمل في طياتها مخاطر تضر بالنمو العالمي، وتعيد إنتاج موجات تضخم واضطراب تجاري جديدة؟

ويمثل الاقتصاد الأمريكي نحو ربع الناتج العالمي الاسمي وفق تقديرات المؤسسات الدولية، فيما لا يزال الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، ما يجعل أي تحول في السياسات الاقتصادية داخل واشنطن ذا أثر عابر للحدود.

فعندما تفرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية، لا تتأثر التجارة الثنائية بينها وبين الدولة التي فُرضت عليها رسوم فقط، بل تمتد التداعيات إلى سلاسل الإمداد الممتدة من آسيا إلى أوروبا.

وعندما يتعرض الاحتياطي الفيدرالي لضغوط سياسية بشأن أسعار الفائدة، لا تنعكس النتائج على سوق السندات الأمريكية فحسب، بل على كلفة التمويل في الأسواق الناشئة بأكملها.

أما أي تصعيد عسكري في مناطق استراتيجية للطاقة، فيكفي مجرد احتماله لإعادة تسعير النفط والذهب والعملات في غضون ساعات.

السياسات الحمائية.. حماية للصناعة أم عبء تضخمي؟

تبنى ترامب نهجًا حمائيًا يقوم على فرض رسوم جمركية موسعة على واردات من الصين وأوروبا، مستندًا إلى أدوات قانونية مثل المادة 122 من قانون التجارة الأمريكي حيث يستند أنصار هذا النهج إلى فكرة حماية الصناعة المحلية واستعادة الوظائف.

وبحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، نما اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 2.2% خلال عام 2025، فيما تباطأ النمو في الربع الرابع إلى 1.4% فقط. هذه الأرقام تعكس اقتصادًا لا يزال يتوسع، لكن دون قفزة نوعية يمكن نسبها مباشرة للحمائية.

أما التضخم، فوفق بيانات مكتب إحصائيات العمل الأمريكي، بلغ معدل التضخم السنوي 2.4%، فيما سجل التضخم الأساسي 2.5%، بينما أظهر مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (المقياس المفضل للفيدرالي) قراءة قرب 2.9%.

وفي هذا الإطار يرى “هاني أبوعاقلة”، كبير محللي الأسواق في إكس تي بي (XTB)، في تصريحات خاصة لـ “أرقام” أن بعض الصناعات – مثل الصلب والألمنيوم – استفادت جزئيًا من الرسوم، مع تحسن طفيف في التوظيف، لكن “الكلفة انتقلت إلى قطاعات أوسع”.

وأضاف أن الشركات الأمريكية الكبرى لجأت إلى تخزين المواد الخام لتفادي الرسوم، ما تسبب في اختناقات وتأخير تسليمات، خصوصًا في المعادن النادرة.

هذا السلوك، وفق رأيه، لم يبقَ محليًا، بل انعكس على الأسواق العالمية نتيجة إعادة توجيه الطلب وتسابق الشركات على الموارد، بحسب ما ذكر “أبوعاقلة”.

ويؤكد كلام “أبوعاقلة” التجارب السابقة؛ إذ أظهرت دراسات اقتصادية أمريكية أن الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية خلال موجة 2018–2019 تحمله المستورد الأمريكي والمستهلك، لا المصدر الأجنبي.

أما أحمد عزام، رئيس الأبحاث في إكويتي جروب (Equiti Group)، فيضع المسألة في إطار الاقتصاد الكلي، قائلًا في تصريحات خاصة لـ “أرقام” إن الحمائية “توفر مكاسب سياسية سريعة ومرئية، لكنها تفرض كلفة أبطأ وأوسع انتشارًا”.

ويستشهد بتجربة موجة الرسوم السابقة، حيث أظهرت دراسات أمريكية أن الجزء الأكبر من الرسوم انتقل إلى المستورد الأمريكي، والموزع، والمستهلك النهائي.

ويرى عزام أن استمرار الرسوم في بيئة تضخم لم يُحسم بعد قد يؤدي إلى الضغط على القوة الشرائية، وتراجع ثقة المستهلك، وتباطؤ الاستثمار الخاص بسبب عدم اليقين.

ويضيف أن عدم اليقين المرتبط بإمكانية استخدام أدوات تعريفات إضافية يزيد حساسية الأسواق تجاه أي إعلان تجاري جديد.

أما علي متولي، الاستشاري الاقتصادي في لندن، فينظر إلى المسألة من زاوية النظام التجاري العالمي. واعتبر في تصريحات خاصة لـ “أرقام” أن الخطر لا يكمن فقط في الرسوم نفسها، بل في “شرعنة” الحمائية كأداة تفاوضية دائمة.

ويحذر من أن الاقتصادات الكبرى – مثل الصين والاتحاد الأوروبي – قد لا ترد فقط برسوم مماثلة، بل عبر أدوات أوسع تشمل قيود تصدير، وتحقيقات دعم وإغراق، وتقييد الوصول إلى الأسواق.

وأضاف أن هذا الاتجاه، إذا توسع، قد يعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية للتتجه نحو الإقليمية بشكل أكبر، “ما يرفع التكلفة الهيكلية للإنتاج عالميًا ويؤدي إلى تباطؤ مستدام في التجارة الدولية”.

وقد حذرت منظمة التجارة العالمية سابقًا من أن تصاعد القيود التجارية يضغط على نمو التجارة العالمية، بينما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تباطؤ النمو العالمي إلى 2.9% في 2026 جراء هذه التوترات.

ضغط الفائدة.. دعم للنمو أم شرارة تضخم جديدة؟

يمارس ترامب ضغوطًا علنية على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة دعمًا للنمو. لكن هل الاستجابة لذلك ستفيد الاقتصاد العالمي؟

أبقى الفيدرالي الأمريكي الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، مشيرًا إلى أن التضخم لا يزال “أعلى قليلًا من المستهدف”. ومع تضخم عند 2.4% ومؤشر إنفاق استهلاكي عند 2.9%، فإن الفيدرالي يتحرك بحذر.

“أحمد عزام” يوضح أن خفض الفائدة مبكرًا قد يمنح الأسواق دفعة قصيرة الأجل عبر تحسن شهية المخاطرة، وضعف نسبي للدولار، وتخفيف كلفة التمويل لكن حذر من أن الخطر يكمن في تزامن التيسير النقدي مع صدمات جديدة مثل الرسوم أو ارتفاع الطاقة.

التاريخ يقدم درسًا مهمًا؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، أدى التراخي النقدي أمام صدمات النفط إلى موجة تضخم مزدوجة، اضطر معها الفيدرالي لاحقًا لرفع الفائدة بقوة، ما تسبب في ركود حاد.

أما “هاني أبوعاقلة” فيشير إلى أن أسعار الطاقة أصبحت “اللاعب الرئيسي في مسار التضخم”، وأن أي صعود مفاجئ في النفط قد يعكس مسار تراجع التضخم الحالي، خاصة أن جزءًا من الانخفاض الأخير جاء نتيجة تراجع أسعار الطاقة والسيارات المستعملة.

من جهته ألمح “علي متولي”، إلى أن استجابة الفيدرالي لضغوط سياسية قد تُفهم عالميًا كإضعاف لاستقلاليته، ما يرفع علاوة المخاطر على الأصول الأمريكية ويزيد تقلبات الأسواق الناشئة المرتبطة بالدولار.

التصعيد العسكري.. وآثاره الاقتصادية

البعد الجيوسياسي عنصر لا يمكن تجاهله عند تناول مسار نمو الاقتصاد العالمي لأن أي تصعيد عسكري تقوده واشنطن، خاصة في حال قيامها بضرب إيران، سيضع أسواق الطاقة تحت المجهر.

ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وفي هذا الإطار يلفت “عزام”، النظر إلى أن الأثر لا يتوقف عند أسعار النفط، بل يمتد سريعًا إلى مسارات أخرى، مضيفًا أنه إذا ارتفعت الطاقة بشكل حاد، قد يؤدي ذلك إلى إعادة تسارع التضخم الأمريكي، وتعطيل مسار خفض الفائدة، وزيادة تقلبات أسواق الأسهم والسندات.

ويرى “عزام” أن الأسواق عادة تسعّر المخاطر على مرحلتين الأولى تتمثل في استجابة فورية في النفط والذهب والعملات الدفاعية ثم انتقال تدريجي إلى الاقتصاد الحقيقي عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.

ويضيف أن أي موجة تضخمية جديدة مدفوعة بالطاقة قد تعقّد حسابات الفيدرالي الأمريكي، خاصة إذا تزامنت مع ضغوط سياسية لخفض الفائدة.

من جانبه يرى “علي متولي” أن السيناريو الأخطر ليس ضربة محدودة وسريعة، بل تصعيد ممتد أو رد فعل إيراني واسع النطاق.

وأوضح أنه في حال اتساع المواجهة، قد نشهد إعادة توجيه طرق الشحن إلى مسارات أطول، وارتفاع أقساط التأمين البحري، وبالتالي زيادة تكاليف النقل العالمية، وحدوث ضغط إضافي على سلاسل الإمداد.

ويؤكد أن إغلاقًا كاملاً للمضيق يظل سيناريو معقدًا تقنيًا وسياسيًا، لكنه يشدد على أن “الأسواق لا تنتظر الإغلاق الكامل لتسعير الخطر”.

أما “هاني أبوعاقلة” فيتوقع أن يؤدي أي تصعيد عسكري مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط بين 10 و15 دولارًا خلال فترة قصيرة، بشرط عدم استهداف ناقلات النفط مباشرة أو إغلاق فعلي للمضيق.

ويشير إلى أن الأسواق شديدة الحساسية حاليًا للمخاطر الجيوسياسية، وأن ارتفاع أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن قد يحدث حتى دون تعطل فعلي للإمدادات، بمعنى آخر، السوق يسعّر الاحتمال قبل وقوع الحدث.

هل تنتقل العدوى الحمائية عالميًا؟

الخطر الأكبر قد لا يكون في الرسوم نفسها، بل في انتشار منطق الحمائية.

وبالفعل ردت الصين برسوم مضادة وقيود تصدير، خاصة على المعادن الأرضية النادرة، فيما يناقش الاتحاد الأوروبي استخدام “أداة مكافحة الإكراه” التي تسمح باستهداف خدمات، وليس فقط سلعًا.

ويوضح “علي متولي” أن السيناريو الأخطر ليس “حرب الرسوم”، بل تفكك تدريجي في سلاسل القيمة العالمية.

وتابع يقول إنه إذا اتسعت دائرة الردود بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا، فقد نشهد زيادة الاتجاه نحو الإقليمية في سلاسل التوريد، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وانكماشًا في تجارة السلع، وتباطؤًا مستدامًا في معدلات النمو العالمي.

وحذر من أن هذا الاتجاه قد يعيد الاقتصاد العالمي إلى نمط أكثر تجزئة، ما يقلل من كفاءة توزيع الموارد عالميًا ويزيد من التقلبات.

ويؤكد “هاني أبوعاقلة”، أن انتقال العدوى الحمائية أصبح احتمالًا قائمًا بالفعل، مشيرًا إلى أن “الدول التي تتعرض للرسوم لا تملك رفاهية الصمت”.

كما أوضح أن الردود قد لا تقتصر دائمًا على تعريفات مماثلة فقط، بل تتوسع لتشمل تقييد صادرات مواد استراتيجية مثلما قيدت الصين تصدير الفضة بدون ترخيص، إضافة إلى دعم صناعات محلية بشكل انتقائي.

من جانبه وصف “أحمد عزام” السيناريو المحتمل بأنه “إعادة تسعير طويلة ومكلفة للعولمة”.

ويشرح أن الخطر لا يتمثل فقط في الرسوم نفسها، بل في عنصر عدم اليقين، فالشركات العالمية حين يضطرب المشهد الاقتصادي، فإنها تميل إلى تأجيل قرارات الاستثمار، وتقليص خطط التوسع، والاحتفاظ بسيولة أعلى بدل ضخ استثمارات إنتاجية.

ويضيف أن انتقال العدوى الحمائية قد يدفع رؤوس الأموال نحو أدوات الدين والملاذات الآمنة بدل الاستثمار الحقيقي، ما يضغط على النمو طويل الأجل.

وفي ظل الأحداث الحالية يقف الاقتصاد العالمي عند مفترق طرق؛ إما احتواء التوترات ضمن أطر تفاوضية، أو الانزلاق إلى دورة جديدة من التجزؤ والتباطؤ.

وفي عالم مترابط ماليًا وتجاريًا، فإن أي قرار في واشنطن لم يعد شأنًا محليًا، بل شرارة محتملة تمتد آثارها إلى كل القارات.

المصادر: أرقام- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- رويترز- الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- بلومبرج- منظمة التجارة العالمية- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- مكتب إحصاءات العمل الأمريكي- مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي

اقرأ الخبر من المصدر

Must Read

- Advertisement -spot_img

Editor Picks

هل تحتاج مساعدة لاختيار الباقة الأنسب لك؟