Fx Forsa

الرئيسيةالأخبار الأقتصادية‏سميث وكينز .. صراع عقول شكّل علم الاقتصاد

‏سميث وكينز .. صراع عقول شكّل علم الاقتصاد

-

‏سميث وكينز .. صراع عقول شكّل علم الاقتصاد

الكاتب:

{pubdate}

يدرس علم الاقتصاد الثروة، وبشكل أكثر تحديدًا يدرس كيفية إنتاج الثروة وتوزيعها داخل المجتمع، وغالبًا ما ينطلق من افتراض عقلانية الإنسان، أو ما يُعرف بـ الإنسان الاقتصادي.

وعند الحديث عن هذا المجال، يبرز اسمان تركا أعمق الأثر في الفكر الاقتصادي الحديث: آدم سميث وجون ماينارد كينز. (وقد يضيف البعض كارل ماركس إلى هذه القائمة، غير أن أفكاره الاشتراكية تمثل موضوعًا مختلفًا يستحق تناولًا مستقلًا).

من هو آدم سميث؟

عاش آدم سميث (1723 – 1790) خلال عصر التنوير الأسكتلندي في منتصف القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وهو عصر شهد ازدهارًا فكريًا كبيرًا. ومن أبرز شخصياته الفيلسوف ديفيد هيوم، الذي أسهم في تطوير الفلسفة النقدية، والجيولوجي جيمس هاتون، صاحب نظرية الوتيرة الواحدة التي فسّرت تطور القشرة الأرضية، والطبيب والكيميائي جوزيف بلاك، مكتشف المغنيسيوم وثاني أكسيد الكربون ومفاهيم الحرارة الكامنة والنوعية.

كانت خمس جامعات بمثابة المحرّك الفكري للتنوير الأسكتلندي، من بينها جامعة غلاسكو التي التحق بها سميث. بدأ تعليمه هناك في سن الرابعة عشرة وأنهاه في السابعة عشرة.

بعد ذلك، انتقل إلى كلية باليول، إحدى كليات جامعة أكسفورد، حيث أمضى ست سنوات في دراسة الأدب العالمي، وخرج بانطباع نقدي لاذع عن أساتذته، إذ قال إن “الغالبية العظمى من الأساتذة العموميين تخلّوا منذ سنوات طويلة حتى عن مجرد التظاهر بالتدريس”.

عمل سميث محاضرًا في جامعة إدنبرة لعدة سنوات، قبل أن يتولى رئاسة قسمي المنطق ثم الفلسفة الأخلاقية في جامعته الأم.

كما أتيحت له فرصة نادرة للسفر بعد أن عمل لمدة عامين مرشدًا تعليميًا لـهنري سكوت، دوق بيوكليو، وابن زوجة السياسي البرلماني تشارلز تاونسند.

وخلال رحلاته إلى سويسرا وفرنسا، التقى سميث بعدد من عمالقة الفكر الأوروبي، من بينهم فولتير وجان جاك روسو.

بعد انتهاء مهمته التعليمية، عاد سميث إلى قريته الصغيرة كيركالدي ليتفرغ لكتابة عمله الأشهر “ثروة الأمم”، الذي نُشر في مايو 1776، أي قبل أربعة أشهر فقط من توقيع إعلان الاستقلال الأمريكي. واستغرق تأليف هذا العمل قرابة عشر سنوات، ليصبح لاحقًا حجر الأساس للاقتصاد الكلاسيكي.

من هو جون ماينارد كينز؟

وُلد جون ماينارد كينز (1883 – 1946) مع مطلع قرن جديد، في السنوات الأخيرة من العصر الفيكتوري، وهي فترة شهدت تحولات جذرية في البنية الاقتصادية والسياسية والعلمية في إنجلترا.

نشأ كينز في كامبريدج وسط بيئة فكرية نخبوية؛ فوالده كان أستاذًا للاقتصاد في جامعة كامبريدج، بينما كانت والدته شخصية عامة بارزة شغلت منصب أول امرأة تتولى رئاسة بلدية المدينة.

التحق كينز بمدرسة إيتون العريقة، وهي مدرسة داخلية مرموقة مخصصة للبنين، قبل أن يتخرج في جامعة كامبريدج عام 1905 حاصلاً على شهادة في الرياضيات. وقد أهّله ذكاؤه اللافت للانضمام إلى جمعية الرسل (The Apostles) السرية في كامبريدج، والتي كانت تضم نخبة من الأكاديميين لمناقشة القضايا الفكرية والفلسفية الكبرى.

في عام 1920، وبعد أن شغل منصبًا رفيعًا في وزارة الخزانة البريطانية خلال مؤتمر السلام في فرساي عقب الحرب العالمية الأولى، نشر كينز أول كتبه الاقتصادية بعنوان “الآثار الاقتصادية للسلام”.

تناول الكتاب التداعيات الكارثية للشروط القاسية التي فُرضت على ألمانيا، محذرًا من أنها ستقود إلى انهيار اقتصادي وسياسي واسع في أوروبا.

بعد أزمة سوق الأسهم بين عامي 1929 و1933، ومع الكساد العظيم الذي ضرب الاقتصاد العالمي، أعلن كينز قطيعته الكاملة مع الاقتصاد الكلاسيكي، بعدما كان قد “رفض منذ وقت طويل مبدأ عدم تدخل الدولة (اللاسيه فير) كقاعدة عامة لتنظيم المجتمع”. وبلور أفكاره الجديدة في كتابه الشهير “النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود” الصادر عام 1936.

كيف اختلفت رؤيتاهما للاقتصاد؟

الاقتصاد الكلاسيكي، أو مبدأ اللاسيه فير الذي رفضه كينز، هو في جوهره اقتصاد آدم سميث. فقد كتب سميث “ثروة الأمم” ليطرح نموذجًا للاقتصاد الحر يختلف عن المركنتيلية التي سادت في عصره، والتي كانت تشجع الصادرات وتقيّد الواردات، وتمنح الحكومة دورًا واسعًا في حماية التجار المحليين من المنافسة الخارجية.

قد طوّر سميث في كتابه مفهومين أساسيين: تقسيم العمل واليد الخفية. ففي الفصل الأول من “ثروة الأمم”، يوضح سميث أن “التضاعف الكبير في إنتاج مختلف الفنون، الناتج عن تقسيم العمل، هو ما يؤدي في مجتمع منظم جيدًا إلى تلك الوفرة العامة التي تمتد حتى إلى أدنى طبقات الشعب”.

يشجع تقسيم العمل على التخصص، ما يفتح الباب أمام التبادل التجاري. فمثلًا، يمكن للخباز أن يبادل فائض إنتاجه من الخبز مع الخياط مقابل الملابس، وهو ما يعزز النمو الاقتصادي.

وعلى الرغم من أن الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، فإن هذا التفاعل يؤدي في النهاية إلى منفعة عامة غير مقصودة، وهو ما عبّر عنه سميث بمفهوم اليد الخفية.

أما كينز، فقد رأى أن هذا التنظيم الذاتي فشل في مواجهة أزمات كبرى مثل الكساد العظيم. وتساءل: لماذا لم تعمل اليد الخفية؟ لماذا بقي ملايين القادرين على العمل بلا وظائف؟

رد كينز كان واضحًا: الاقتصاد يحتاج إلى إدارة حكومية. فبدل الاعتماد الكامل على قوى السوق، دعا إلى تدخل الدولة عبر السياسات النقدية (التحكم في أسعار الفائدة والمعروض النقدي) والسياسات المالية (الضرائب والإنفاق العام) لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

إرث مستمر حتى اليوم

منذ الكساد العظيم وبرامج الصفقة الجديدة التي أطلقها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، هيمنت النظرية الكينزية على الاقتصاد الأمريكي. ولا تزال أفكار كينز وسميث محور جدل سياسي واقتصادي حتى اليوم؛ فبينما يرى البعض في تدخل الدولة ضرورة لا غنى عنها، يدعو آخرون إلى إحياء الاقتصاد الكلاسيكي والعودة إلى السوق الحرة دون تدخل حكومي.

وهكذا، يظل الصراع بين سميث وكينز قائمًا.. ليس بين رجلين، بل بين رؤيتين متناقضتين لدور الدولة والسوق في إدارة الثروة والمجتمع.

المصدر: “أباتش وورك أوف بيرسيبشنز”

اقرأ الخبر من المصدر

مختارات التحليل والأخبار الأقتصادية

أخر الأخبار

- Advertisement -spot_img

‏سميث وكينز .. صراع عقول شكّل علم الاقتصاد

الكاتب:

{pubdate}

يدرس علم الاقتصاد الثروة، وبشكل أكثر تحديدًا يدرس كيفية إنتاج الثروة وتوزيعها داخل المجتمع، وغالبًا ما ينطلق من افتراض عقلانية الإنسان، أو ما يُعرف بـ الإنسان الاقتصادي.

وعند الحديث عن هذا المجال، يبرز اسمان تركا أعمق الأثر في الفكر الاقتصادي الحديث: آدم سميث وجون ماينارد كينز. (وقد يضيف البعض كارل ماركس إلى هذه القائمة، غير أن أفكاره الاشتراكية تمثل موضوعًا مختلفًا يستحق تناولًا مستقلًا).

من هو آدم سميث؟

عاش آدم سميث (1723 – 1790) خلال عصر التنوير الأسكتلندي في منتصف القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وهو عصر شهد ازدهارًا فكريًا كبيرًا. ومن أبرز شخصياته الفيلسوف ديفيد هيوم، الذي أسهم في تطوير الفلسفة النقدية، والجيولوجي جيمس هاتون، صاحب نظرية الوتيرة الواحدة التي فسّرت تطور القشرة الأرضية، والطبيب والكيميائي جوزيف بلاك، مكتشف المغنيسيوم وثاني أكسيد الكربون ومفاهيم الحرارة الكامنة والنوعية.

كانت خمس جامعات بمثابة المحرّك الفكري للتنوير الأسكتلندي، من بينها جامعة غلاسكو التي التحق بها سميث. بدأ تعليمه هناك في سن الرابعة عشرة وأنهاه في السابعة عشرة.

بعد ذلك، انتقل إلى كلية باليول، إحدى كليات جامعة أكسفورد، حيث أمضى ست سنوات في دراسة الأدب العالمي، وخرج بانطباع نقدي لاذع عن أساتذته، إذ قال إن “الغالبية العظمى من الأساتذة العموميين تخلّوا منذ سنوات طويلة حتى عن مجرد التظاهر بالتدريس”.

عمل سميث محاضرًا في جامعة إدنبرة لعدة سنوات، قبل أن يتولى رئاسة قسمي المنطق ثم الفلسفة الأخلاقية في جامعته الأم.

كما أتيحت له فرصة نادرة للسفر بعد أن عمل لمدة عامين مرشدًا تعليميًا لـهنري سكوت، دوق بيوكليو، وابن زوجة السياسي البرلماني تشارلز تاونسند.

وخلال رحلاته إلى سويسرا وفرنسا، التقى سميث بعدد من عمالقة الفكر الأوروبي، من بينهم فولتير وجان جاك روسو.

بعد انتهاء مهمته التعليمية، عاد سميث إلى قريته الصغيرة كيركالدي ليتفرغ لكتابة عمله الأشهر “ثروة الأمم”، الذي نُشر في مايو 1776، أي قبل أربعة أشهر فقط من توقيع إعلان الاستقلال الأمريكي. واستغرق تأليف هذا العمل قرابة عشر سنوات، ليصبح لاحقًا حجر الأساس للاقتصاد الكلاسيكي.

من هو جون ماينارد كينز؟

وُلد جون ماينارد كينز (1883 – 1946) مع مطلع قرن جديد، في السنوات الأخيرة من العصر الفيكتوري، وهي فترة شهدت تحولات جذرية في البنية الاقتصادية والسياسية والعلمية في إنجلترا.

نشأ كينز في كامبريدج وسط بيئة فكرية نخبوية؛ فوالده كان أستاذًا للاقتصاد في جامعة كامبريدج، بينما كانت والدته شخصية عامة بارزة شغلت منصب أول امرأة تتولى رئاسة بلدية المدينة.

التحق كينز بمدرسة إيتون العريقة، وهي مدرسة داخلية مرموقة مخصصة للبنين، قبل أن يتخرج في جامعة كامبريدج عام 1905 حاصلاً على شهادة في الرياضيات. وقد أهّله ذكاؤه اللافت للانضمام إلى جمعية الرسل (The Apostles) السرية في كامبريدج، والتي كانت تضم نخبة من الأكاديميين لمناقشة القضايا الفكرية والفلسفية الكبرى.

في عام 1920، وبعد أن شغل منصبًا رفيعًا في وزارة الخزانة البريطانية خلال مؤتمر السلام في فرساي عقب الحرب العالمية الأولى، نشر كينز أول كتبه الاقتصادية بعنوان “الآثار الاقتصادية للسلام”.

تناول الكتاب التداعيات الكارثية للشروط القاسية التي فُرضت على ألمانيا، محذرًا من أنها ستقود إلى انهيار اقتصادي وسياسي واسع في أوروبا.

بعد أزمة سوق الأسهم بين عامي 1929 و1933، ومع الكساد العظيم الذي ضرب الاقتصاد العالمي، أعلن كينز قطيعته الكاملة مع الاقتصاد الكلاسيكي، بعدما كان قد “رفض منذ وقت طويل مبدأ عدم تدخل الدولة (اللاسيه فير) كقاعدة عامة لتنظيم المجتمع”. وبلور أفكاره الجديدة في كتابه الشهير “النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود” الصادر عام 1936.

كيف اختلفت رؤيتاهما للاقتصاد؟

الاقتصاد الكلاسيكي، أو مبدأ اللاسيه فير الذي رفضه كينز، هو في جوهره اقتصاد آدم سميث. فقد كتب سميث “ثروة الأمم” ليطرح نموذجًا للاقتصاد الحر يختلف عن المركنتيلية التي سادت في عصره، والتي كانت تشجع الصادرات وتقيّد الواردات، وتمنح الحكومة دورًا واسعًا في حماية التجار المحليين من المنافسة الخارجية.

قد طوّر سميث في كتابه مفهومين أساسيين: تقسيم العمل واليد الخفية. ففي الفصل الأول من “ثروة الأمم”، يوضح سميث أن “التضاعف الكبير في إنتاج مختلف الفنون، الناتج عن تقسيم العمل، هو ما يؤدي في مجتمع منظم جيدًا إلى تلك الوفرة العامة التي تمتد حتى إلى أدنى طبقات الشعب”.

يشجع تقسيم العمل على التخصص، ما يفتح الباب أمام التبادل التجاري. فمثلًا، يمكن للخباز أن يبادل فائض إنتاجه من الخبز مع الخياط مقابل الملابس، وهو ما يعزز النمو الاقتصادي.

وعلى الرغم من أن الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، فإن هذا التفاعل يؤدي في النهاية إلى منفعة عامة غير مقصودة، وهو ما عبّر عنه سميث بمفهوم اليد الخفية.

أما كينز، فقد رأى أن هذا التنظيم الذاتي فشل في مواجهة أزمات كبرى مثل الكساد العظيم. وتساءل: لماذا لم تعمل اليد الخفية؟ لماذا بقي ملايين القادرين على العمل بلا وظائف؟

رد كينز كان واضحًا: الاقتصاد يحتاج إلى إدارة حكومية. فبدل الاعتماد الكامل على قوى السوق، دعا إلى تدخل الدولة عبر السياسات النقدية (التحكم في أسعار الفائدة والمعروض النقدي) والسياسات المالية (الضرائب والإنفاق العام) لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

إرث مستمر حتى اليوم

منذ الكساد العظيم وبرامج الصفقة الجديدة التي أطلقها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، هيمنت النظرية الكينزية على الاقتصاد الأمريكي. ولا تزال أفكار كينز وسميث محور جدل سياسي واقتصادي حتى اليوم؛ فبينما يرى البعض في تدخل الدولة ضرورة لا غنى عنها، يدعو آخرون إلى إحياء الاقتصاد الكلاسيكي والعودة إلى السوق الحرة دون تدخل حكومي.

وهكذا، يظل الصراع بين سميث وكينز قائمًا.. ليس بين رجلين، بل بين رؤيتين متناقضتين لدور الدولة والسوق في إدارة الثروة والمجتمع.

المصدر: “أباتش وورك أوف بيرسيبشنز”

اقرأ الخبر من المصدر

Must Read

- Advertisement -spot_img

Editor Picks

هل تحتاج مساعدة لاختيار الباقة الأنسب لك؟