قفزات أسعار النفط بعد ضرب إيران: هل تحطم أحلام ترامب الاقتصادية؟
الكاتب:
{pubdate}
«تكدس عشرات الناقلات في انتظار معرفة مدى إمكانية عبور مضيق هرمز قريبًا»، «توقف شبه كامل للحركة الملاحية عبر المضيق»، «أوبك+ تتعهد بزيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا»، «ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط».
كانت هذه بعض المشاهد التي شهدتها ساحة سوق النفط عقب الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يوم السبت الماضي.
ومع بدء الأسواق أول جلسة تداول رسمية بعد التصعيد الأخير، سجل سعر خام برنت مع إعداد هذا التقرير نحو 77.57 دولار أمريكي للبرميل، مرتفعًا بنسبة 6.4% عن إغلاق يوم الجمعة، بعد أن وصل إلى مستوى 82 دولارًا في وقت سابق لتعاملات اليوم.
في حين بلغ خام نايمكس 71.17 دولار للبرميل بحسب وكالة رويترز، منتعشًا بنحو 6.2% مقارنة بإغلاق الجمعة الماضية.
وأنهى خام برنت تعاملات الأسبوع الماضي عند 72.9 دولار أمريكي للبرميل، بينما سجل خام نايمكس 67 دولارًا، وفقًا لبيانات موقع بلومبرج.
السؤال المركزي الآن لا يتعلق فقط بمدى ارتفاع النفط، بل بما إذا كانت هذه القفزة قادرة على تقويض الرؤية الاقتصادية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” القائمة على تضخم منخفض، وإنفاق استهلاكي قوي، ونمو صناعي مدفوع بطاقة رخيصة.
هل يستوعب سوق الطاقة أسعار النفط؟
تظل سوق النفط العالمية شديدة الحساسية للمخاطر الجيوسياسية، خاصة في منطقة الخليج العربي. ويمر نحو 20% من الاستهلاك العالمي اليومي للنفط — أي قرابة 20 مليون برميل يوميًا — عبر مضيق هرمز، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (إي آي إيه).
وبالتالي فإن أي تهديد جدي لهذا الممر البحري يضيف تاريخيًا علاوة مخاطر على أسعار الخام، حيث يشهد النفط تصاعدًا ملحوظًا في حال وقوع أحداث يمكن أن تتسبب في تقليص الإمدادات.
وعلى سبيل المثال في المراحل الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، صعد خام برنت خلالها إلى ما فوق 120 دولارًا للبرميل وسط مخاوف من نقص المعروض في حال فرض عقوبات على إمدادات النفط الروسي.
وأسهمت تلك القفزة مباشرة في تسجيل أعلى معدلات تضخم في الولايات المتحدة وأوروبا منذ أربعة عقود حيث بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة 9.1% في يونيو 2022، وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
وإذا استقر النفط عند مستواه الحالي، فقد لا يصل التأثير إلى تلك المستويات القصوى، لكن التداعيات الاقتصادية الكلية تظل مؤثرة.
وتشير تقديرات سابقة لبنك جولدمان ساكس إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تضيف ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى معدل التضخم في الولايات المتحدة، بحسب مدة استمرار الزيادة، ومدى انتقال الزيادة إلى أسعار الوقود والنقل وسلاسل الإمداد.
كما تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن الخام يمثل نحو 50 إلى 55% من سعر التجزئة للبنزين، وبالتالي فإن أي صعود مستدام في أسعار الخام سيترجم غالبًا إلى ارتفاع في أسعار الوقود وهو ملف قد يضر بالخطط الاقتصادية للرئيس “ترامب”.
ولا يقتصر الأثر على الولايات المتحدة، فالاقتصادات الناشئة المعتمدة على واردات الطاقة — مثل الهند وتركيا — غالبًا ما تواجه ضغوطًا على عملاتها واتساعًا في عجز الحساب الجاري خلال فترات ارتفاع النفط.
ففي 2018، عندما تجاوز خام برنت مستوى 85 دولارًا لأول مرة منذ 2014، اتسع عجز الحساب الجاري في الهند إلى 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لبيانات بنك الاحتياطي الهندي.
بعبارة أخرى، إذا ظلت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية قد لا تكون كارثية، لكن في بيئة عالمية هشة تتسم بتباطؤ النمو وتشدد السياسات النقدية، فإنه قد يمثل صدمة مؤثرة.
طاقة رخيصة وتضخم منضبط
اعتمد النموذج الاقتصادي لـ”ترامب” خلال رئاسته على مفهوم “هيمنة الطاقة”، إلى جانب خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية وتعزيز الطلب الاستهلاكي.
وبلغ متوسط إنتاج الولايات المتحدة من النفط في ديسمبر 2025 نحو 13.66 مليون برميل يوميًا — وهو مستوى يعكس استمرار الإنتاج عند مستويات تاريخية مرتفعة، رغم تراجع طفيف من ذروة منتصف 2025.
وكثيرًا ما جرى الترويج لانخفاض تكاليف الطاقة المحلية باعتباره ميزة تنافسية للصناعة الأمريكية.
لكن مواصلة ارتفاع أسعار النفط خاصة إذا طال أمد تلك الحرب ستعقد هذه المعادلة بعدة طرق.
في مقدمتها صعوبة احتواء التضخم حيث كانت معركة كبح التضخم أحد المحاور الرئيسية في المشهد الاقتصادي خلال 2022 و2023، مما دفع الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة بقوة، وبالتالي فإن عودة ارتفاع النفط قد تعرقل مسار التراجع التدريجي للتضخم.
وشكلت الطاقة جزءًا كبيرًا من تقلبات مؤشر الأسعار خلال 2022، وكانت تحركات أسعار البنزين من أبرز العوامل المحركة لتغيرات التضخم الشهرية.
وأي صدمة جديدة قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول مما قد يبطئ النمو.
أما التأثير الثاني فيتمثل في ارتباط مزاج المستهلكين بشدة بأسعار الوقود، فقد أظهرت استطلاعات جامعة ميشيجان ارتباطًا بين ارتفاع أسعار البنزين وتراجع ثقة المستهلكين.
وفي 2008، عندما اقترب النفط من 147 دولارًا للبرميل، انهارت ثقة المستهلكين إلى مستويات قياسية خلال الأزمة المالية. ورغم أن المستوى الحالي أقل بكثير، فإن الأثر النفسي لارتفاع الوقود يظل حاضرًا.
دوامة علاوة المخاطر
نادرًا ما تتفاعل أسواق النفط فقط مع عمليات التعطيل الفعلية؛ فهي تسعر أيضًا احتمالات التصعيد، ففي يناير 2020، عقب مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بضربة أمريكية، حينها قفز خام برنت بنحو 4% قبل أن يتراجع لاحقًا مع انحسار مخاوف التصعيد.
وإذا امتدت التوترات لتشمل تهديدات للملاحة أو هجمات على البنية التحتية للطاقة، فقد ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط المارة عبر الخليج، وفي أزمات سابقة، ارتفعت تكاليف التأمين بشكل حاد، ما رفع التكلفة النهائية للنفط حتى دون فقدان فعلي للإمدادات.
أسواق الأسهم بدورها تشهد تقلبات، ففي الأسابيع الأولى من حرب أوكرانيا في 2022، تراجع مؤشر إس آند بي 500 بأكثر من 10% من ذروته قبل أن يستقر، في حين تفوقت أسهم الطاقة، بينما تراجعت أسهم شركات الطيران والنقل بسبب ارتفاع تكاليف الوقود.
أما أسواق السندات، فتتفاعل عبر ارتفاع توقعات التضخم، ففي 2022، ارتفعت معدلات التعادل للتضخم مع صعود النفط، ما عكس توقعات باستمرار الضغوط السعرية.
كل ذلك يعني أنه إذا بقيت أسعار النفط عند مستوى 80 دولارًا أمريكيًا دون تصعيد إضافي، فقد تستوعب الأسواق الصدمة.
لكن إذا تصاعدت المخاوف، قد تتسع علاوة المخاطر بسرعة، خاصة في ظل محدودية الطاقة الإنتاجية الفائضة عالميًا، والتي تتركز لدى عدد محدود من المنتجين، وفقًا لتقارير وكالة الطاقة الدولية.
صدمة قابلة للاحتواء أم بداية موجة اضطراب؟
في عالم يواجه ديونًا مرتفعة وثقة استهلاكية هشة وبنوكًا مركزية حذرة من عودة التضخم، تمثل أي صدمة قادمة من قطاع الطاقة عنصر عدم يقين إضافيًا.
وبالنسبة لرؤية “ترامب” الاقتصادية — القائمة على النمو وتراجع تكاليف المعيشة — فإن بقاء النفط مرتفعًا لفترة طويلة قد يشكل تحديًا سياسيًا واقتصاديًا.
ومع ذلك، تظل سوق الطاقة ديناميكية حيث يمكن للإنتاج الأمريكي الصخري أن يستجيب للأسعار، ويمكن لأوبك+ تعديل الحصص، كما يمكن اللجوء إلى الاحتياطيات الاستراتيجية.
التاريخ يبين أن بعض صدمات النفط تتلاشى سريعًا، بينما يتحول بعضها الآخر إلى نقاط تحول اقتصادية كبرى، كما حدث في عامي 2008 و2022.
الأيام المقبلة ستحدد ما إذا الارتفاع الحالي يمثل سقفًا مؤقتًا أم أرضية جديدة، وحتى ذلك الحين، ستترقب الأسواق وصناع القرار بحذر تحركات أسعار النفط في ظل تلك الأوضاع.
المصادر: أرقام- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- مكتب إحصاءات العمل الأمريكي- وكالة الطاقة الدولية- وكالة رويترز- بلومبرج- شركة إكسون موبيل- سي إن إن


