Fx Forsa

الرئيسيةالأخبار الأقتصادية‏هل تمثل الأزمات فرصًا في سوق الأسهم؟

‏هل تمثل الأزمات فرصًا في سوق الأسهم؟

-

‏هل تمثل الأزمات فرصًا في سوق الأسهم؟

الكاتب:

{pubdate}

حالة من الهلع تسود أوساط المتداولين عند اتشاح شاشات البورصات حول العالم باللون الأحمر مع شعور بالحزن والترقب عند وقوع الأزمات الاقتصادية والسياسية الدولية.

فغالبًا ما ترتبط الأزمات في أذهان المستثمرين بتكبد الخسائر الفادحة الناجمة عن الهبوط الحاد في أسعار الأسهم، وتراجع التقييمات، والضغوط الاقتصادية واسعة النطاق.

وشكلت الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران يوم السبت الماضي مثالًا حيًا على كيفية تأثير الأحداث الجيوسياسية المفاجئة على الأسواق المالية العالمية.

وتصاعدت موجة من الذعر دفعت المستثمرين إلى بيع الأصول عالية المخاطر، بينما ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية مثل النفط والذهب بشكل حاد.

هذا التذبذب الفجائي يعكس طبيعة الأسواق في أوقات الأزمات، حيث تتأثر الأسعار بالعوامل النفسية والتوقعات المستقبلية أكثر من الأداء الفعلي للشركات أو الاقتصاد.

ورغم أن هذه الفترات تمثل أضرارًا حقيقية بالاقتصادات والشركات، فإنها في الوقت ذاته تخلق فرصًا استثمارية مهمة في أسواق المال سواء للمستثمرين على المدى الطويل أو للمتداولين الاستراتيجيين.

ومع تراجع حالة الذعر وعودة الثقة تدريجيًا، تتحول هذه الانخفاضات إلى نقاط دخول جذابة يمكن أن تمهد لموجات صعود قوية.

ويظهر تحليل الأداء التاريخي وديناميكيات التعافي، بجانب البيانات الموثوقة حول أزمات كبرى مثل الأزمة المالية العالمية 2008 وانهيار جائحة كورونا في 2020 أن العديد من الأزمات مثلت فرصًا في أسواق الأسهم العالمية.

ولا تقتصر هذه الفرص على أسهم قطاع بعينه مثل ارتفاع أسهم شركات الدفاع في حال وقوع أزمات عسكرية على سبيل المثال، بل تمتد إلى الشركات التي تصل إلى مستويات شراء جذابة نتيجة الضغوط المؤقتة.

سلوك الأسواق بعد الصدمات

لفهم ما إذا كانت الأزمات تخلق فرصًا حقيقية، من الضروري مراجعة سلوك الأسواق خلال فترات الهبوط الحاد أثناء الأزمات وما يعقبها من فترات التعافي.

ويُعد مؤشر إس آند بي 500 أحد أهم المؤشرات العالمية لقياس أداء الأسهم، وقد مر بعدة دورات هبوط قوية منذ عام 2000، ما يجعله نموذجًا مناسبًا لاختبار فرضية أن الانخفاضات الكبيرة قد تتحول لاحقًا إلى فرص استثمارية.

وخلال انهيار جائحة كورونا في فبراير ومارس 2020، تراجع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 34% من ذروته إلى أدنى مستوى له خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.

غير أن الصورة تغيرت سريعًا بعد بلوغ القاع في مارس 2020، إذ ارتفع المؤشر بنحو 74% خلال الاثني عشر شهرًا التالية، في واحدة من أقوى موجات التعافي في تاريخ السوق الأمريكية.

هذا التحول السريع من ذعر حاد إلى صعود قوي يوضح كيف يمكن لأقسى الانخفاضات أن تتحول إلى فرص استثمارية كبيرة لمن يمتلكون القدرة على تحمل التقلبات واتخاذ قرارات بعيدة عن الانفعال.

الأمر لم يكن مختلفًا في الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين خسر مؤشر إس آند بي 500 أكثر من 50% من قيمته بين 2007 و2009، في ظل انهيارات مصرفية وأزمة ائتمان عالمية غير مسبوقة.

ورغم عمق الصدمة، بدأت الأسواق مسار تعافٍ طويل الأجل مع تحسن السيولة وتدخل البنوك المركزية.

وعلى مدى العقد التالي، حقق المستثمرون الذين احتفظوا باستثماراتهم أو استغلوا الأسعار المتدنية عند القاع عوائد تراكمية قوية، متجاوزين مستويات ما قبل الأزمة بفارق ملحوظ، ما يعكس قدرة الأسواق على إعادة بناء قيمتها بمرور الوقت.

أما في انفجار فقاعة الدوت كوم عام 2000، فقد استغرق التعافي فترة أطول نسبيًا، نتيجة المبالغة الكبيرة في تقييمات شركات التكنولوجيا آنذاك، بينما شهدت أزمة 2022 المرتبطة بالتضخم ورفع أسعار الفائدة تراجعًا يقارب 25% قبل أن تعود الأسواق للاستقرار التدريجي.

وفي القارة العجوز، شهدت عدة دول أوروبية، أبرزها اليونان وإيطاليا وإسبانيا، اضطرابات مالية حادة بسبب أزمة الديون السيادية.

وتراجع مؤشر يورو ستوكس 50 بنحو 40% بين 2010 و2012، لكن الشركات الكبرى في ألمانيا وفرنسا التي تمتلك أساسيات قوية تعافت بسرعة بعد تدخل البنك المركزي الأوروبي وسياسات الدعم المالي، مما خلق فرص شراء جذابة للمستثمرين طويل الأجل.

وفي اليابان في عام 2011 بعد وقوع الزلزال وموجات المد التسونامي، انخفض مؤشر نيكي 225 بنحو 16% خلال أسبوعين، لكن شركات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية شهدت ارتفاعات قوية خلال الأشهر التالية، ما أتاح فرصًا استثمارية للعديد من المتداولين.

ورغم اختلاف طبيعة هذه الأزمات من حيث الأسباب والمدة، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في أن الانخفاضات الكبيرة خاصة تلك التي تتجاوز 20% غالبًا ما يتبعها متوسط عوائد أعلى من المعدلات التاريخية على مدى ممتد من 1 إلى 5 سنوات لاحقة.

كيف تتحول الأزمات إلى فرص استثمارية؟

الأزمات لا تخلق الأرباح بشكل تلقائي، لكنها توفر بيئة من التسعير المنخفض، والتقلبات المرتفعة، وردود الفعل العاطفية المبالغ فيها، وهي ظروف يمكن أن يستفيد منها المستثمر المنضبط.

وخلال فترات الذعر، تنخفض مضاعفات الربحية بشكل ملحوظ، وترتفع علاوات المخاطر، ما يؤدي إلى تراجع الأسعار بوتيرة أسرع من تراجع الأرباح الفعلية.

هذا الانخفاض السريع يجعل العائد المتوقع على الاستثمار أعلى، ويخلق فرصًا جذابة لأولئك الذين يستطيعون تقييم الشركات بناءً على أساسياتها وليس على المشاعر السائدة في السوق.

ويظهر التاريخ أن فترات ما بعد الانخفاضات الحادة غالبًا ما تشهد أداءً قويًا بسبب عودة التقييمات إلى متوسطاتها الطبيعية، وهو ما يثبت أن الانخفاضات ليست مجرد خسائر، بل نقاط دخول محتملة للفرص المستقبلية.

علاوة على ذلك، تلعب السياسات النقدية والمالية دورًا حاسمًا في تحويل الأزمات إلى فرص. على سبيل المثال، خلال أزمة كورونا، خفضت البنوك المركزية العالمية أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، وضخت سيولة ضخمة في الأسواق لتعزيز الاستقرار المالي.

وفي الولايات المتحدة، بلغت قيمة حزمة التحفيز المالي المعروفة باسم قانون “كيرز” أكثر من تريليوني دولار أمريكي، ما ساعد في دعم الاقتصاد والشركات على حد سواء، وسرع من عملية التعافي، وخلق بيئة مواتية لارتفاعات لاحقة في الأسواق.

وخارج أمريكا، برزت الصين كنموذج واضح على تأثير التدخلات الحكومية في تسريع التعافي وخلق فرص استثمارية.

فمع انتشار جائحة كورونا في 2020، اتخذت الحكومة الصينية والبنك المركزي الصيني حزمة من الإجراءات شملت خفض نسب الاحتياطي الإلزامي للبنوك، وتوسيع الإقراض الموجّه، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ورغم التراجع الأولي في الأسواق مع بداية الإغلاق، تعافت قطاعات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية واللوجستيات بوتيرة سريعة مدفوعة بتحول سلوكي واسع نحو الخدمات الرقمية.

هذا التدخل المبكر ساهم في إعادة الثقة للأسواق المحلية، وخلق بيئة سمحت للمستثمرين الذين اشتروا عند مستويات الانخفاض بتحقيق عوائد قوية خلال الاثني عشر شهرًا التالية.

ومع ذلك، فإن الاستفادة من هذه التقلبات تتطلب إدارة صارمة للمخاطر واستراتيجية واضحة، حيث يمكن أن يؤدي الدخول العشوائي أو الانجرار وراء الذعر إلى خسائر إضافية بدلاً من تحقيق فرص ربحية حقيقية.

الفرص لا تقتصر على قطاع بعينه

عند اندلاع أزمات جيوسياسية أو عسكرية، يبرز قطاع الدفاع باعتباره المستفيد التقليدي.

ورغم أن بعض شركات الدفاع تحقق أداءً قويًا في هذه الفترات، فإن حصر الفرص في هذا القطاع فقط يعد رؤية محدودة، حيث تظهر التجارب التاريخية أن التعافي بعد الأزمات غالبًا ما يشمل قطاعات أوسع بكثير.

على سبيل المثال، بعد أزمة 2020، لم يكن التعافي مقتصرًا على قطاع محدد، بل شهدت قطاعات التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والطاقة، والمواد الأساسية موجات صعود قوية.

العديد من شركات التكنولوجيا التي تراجعت خلال الذعر الأولي عادت لتسجل مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي واعتماد الخدمات التقنية بشكل أسرع من المتوقع.

فالأزمات غالبًا ما تسرّع الاتجاهات الهيكلية القائمة بالفعل، فجائحة كورونا، على سبيل المثال، سرعت اعتماد التجارة الإلكترونية، والعمل عن بُعد، والخدمات الرقمية، ما انعكس إيجابًا على شركات تمتلك أساسيات قوية لكنها تعرضت لضغوط سعرية مؤقتة.

كما أن فترات الهبوط توفر فرصًا للحصول على أسهم شركات قوية مالياً بأسعار مغرية، حيث قد تنخفض الأسهم بسبب المخاوف العامة وليس بسبب تدهور حقيقي في الأداء.

هذه الانخفاضات المؤقتة تمثل نقاط دخول استراتيجية للمستثمرين الذين يركزون على القيمة الأساسية للشركات وليس على الذعر اللحظي في الأسواق.

بالتالي، تظهر التجربة أن الفرص في الأزمات لا تقتصر على أسهم الدفاع فقط، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من الشركات ذات الأساسيات القوية التي تصل إلى تقييمات جذابة نتيجة البيع العشوائي.

ورغم أن الأزمات تشكل بلا شك فترات مليئة بالمخاطر وعدم اليقين، لكنها تاريخيًا كانت أيضًا أرضًا خصبة لفرص استثمارية استثنائية.

وفي النهاية، لا تعني الأزمة نهاية الدورة الاستثمارية، بل قد تمثل إعادة ضبط للتوقعات والتقييمات، تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النمو والعوائد — لمن يملك الرؤية طويلة الأجل والقدرة على إدارة المخاطر بوعي.

المصادر: أرقام- بنك نيويورك ميلون للاستثمار- البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- البنك الدولي- بلومبرج- شركة ماكينزي- سي إن بي سي

اقرأ الخبر من المصدر

مختارات التحليل والأخبار الأقتصادية

أخر الأخبار

- Advertisement -spot_img

‏هل تمثل الأزمات فرصًا في سوق الأسهم؟

الكاتب:

{pubdate}

حالة من الهلع تسود أوساط المتداولين عند اتشاح شاشات البورصات حول العالم باللون الأحمر مع شعور بالحزن والترقب عند وقوع الأزمات الاقتصادية والسياسية الدولية.

فغالبًا ما ترتبط الأزمات في أذهان المستثمرين بتكبد الخسائر الفادحة الناجمة عن الهبوط الحاد في أسعار الأسهم، وتراجع التقييمات، والضغوط الاقتصادية واسعة النطاق.

وشكلت الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران يوم السبت الماضي مثالًا حيًا على كيفية تأثير الأحداث الجيوسياسية المفاجئة على الأسواق المالية العالمية.

وتصاعدت موجة من الذعر دفعت المستثمرين إلى بيع الأصول عالية المخاطر، بينما ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية مثل النفط والذهب بشكل حاد.

هذا التذبذب الفجائي يعكس طبيعة الأسواق في أوقات الأزمات، حيث تتأثر الأسعار بالعوامل النفسية والتوقعات المستقبلية أكثر من الأداء الفعلي للشركات أو الاقتصاد.

ورغم أن هذه الفترات تمثل أضرارًا حقيقية بالاقتصادات والشركات، فإنها في الوقت ذاته تخلق فرصًا استثمارية مهمة في أسواق المال سواء للمستثمرين على المدى الطويل أو للمتداولين الاستراتيجيين.

ومع تراجع حالة الذعر وعودة الثقة تدريجيًا، تتحول هذه الانخفاضات إلى نقاط دخول جذابة يمكن أن تمهد لموجات صعود قوية.

ويظهر تحليل الأداء التاريخي وديناميكيات التعافي، بجانب البيانات الموثوقة حول أزمات كبرى مثل الأزمة المالية العالمية 2008 وانهيار جائحة كورونا في 2020 أن العديد من الأزمات مثلت فرصًا في أسواق الأسهم العالمية.

ولا تقتصر هذه الفرص على أسهم قطاع بعينه مثل ارتفاع أسهم شركات الدفاع في حال وقوع أزمات عسكرية على سبيل المثال، بل تمتد إلى الشركات التي تصل إلى مستويات شراء جذابة نتيجة الضغوط المؤقتة.

سلوك الأسواق بعد الصدمات

لفهم ما إذا كانت الأزمات تخلق فرصًا حقيقية، من الضروري مراجعة سلوك الأسواق خلال فترات الهبوط الحاد أثناء الأزمات وما يعقبها من فترات التعافي.

ويُعد مؤشر إس آند بي 500 أحد أهم المؤشرات العالمية لقياس أداء الأسهم، وقد مر بعدة دورات هبوط قوية منذ عام 2000، ما يجعله نموذجًا مناسبًا لاختبار فرضية أن الانخفاضات الكبيرة قد تتحول لاحقًا إلى فرص استثمارية.

وخلال انهيار جائحة كورونا في فبراير ومارس 2020، تراجع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 34% من ذروته إلى أدنى مستوى له خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.

غير أن الصورة تغيرت سريعًا بعد بلوغ القاع في مارس 2020، إذ ارتفع المؤشر بنحو 74% خلال الاثني عشر شهرًا التالية، في واحدة من أقوى موجات التعافي في تاريخ السوق الأمريكية.

هذا التحول السريع من ذعر حاد إلى صعود قوي يوضح كيف يمكن لأقسى الانخفاضات أن تتحول إلى فرص استثمارية كبيرة لمن يمتلكون القدرة على تحمل التقلبات واتخاذ قرارات بعيدة عن الانفعال.

الأمر لم يكن مختلفًا في الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين خسر مؤشر إس آند بي 500 أكثر من 50% من قيمته بين 2007 و2009، في ظل انهيارات مصرفية وأزمة ائتمان عالمية غير مسبوقة.

ورغم عمق الصدمة، بدأت الأسواق مسار تعافٍ طويل الأجل مع تحسن السيولة وتدخل البنوك المركزية.

وعلى مدى العقد التالي، حقق المستثمرون الذين احتفظوا باستثماراتهم أو استغلوا الأسعار المتدنية عند القاع عوائد تراكمية قوية، متجاوزين مستويات ما قبل الأزمة بفارق ملحوظ، ما يعكس قدرة الأسواق على إعادة بناء قيمتها بمرور الوقت.

أما في انفجار فقاعة الدوت كوم عام 2000، فقد استغرق التعافي فترة أطول نسبيًا، نتيجة المبالغة الكبيرة في تقييمات شركات التكنولوجيا آنذاك، بينما شهدت أزمة 2022 المرتبطة بالتضخم ورفع أسعار الفائدة تراجعًا يقارب 25% قبل أن تعود الأسواق للاستقرار التدريجي.

وفي القارة العجوز، شهدت عدة دول أوروبية، أبرزها اليونان وإيطاليا وإسبانيا، اضطرابات مالية حادة بسبب أزمة الديون السيادية.

وتراجع مؤشر يورو ستوكس 50 بنحو 40% بين 2010 و2012، لكن الشركات الكبرى في ألمانيا وفرنسا التي تمتلك أساسيات قوية تعافت بسرعة بعد تدخل البنك المركزي الأوروبي وسياسات الدعم المالي، مما خلق فرص شراء جذابة للمستثمرين طويل الأجل.

وفي اليابان في عام 2011 بعد وقوع الزلزال وموجات المد التسونامي، انخفض مؤشر نيكي 225 بنحو 16% خلال أسبوعين، لكن شركات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية شهدت ارتفاعات قوية خلال الأشهر التالية، ما أتاح فرصًا استثمارية للعديد من المتداولين.

ورغم اختلاف طبيعة هذه الأزمات من حيث الأسباب والمدة، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في أن الانخفاضات الكبيرة خاصة تلك التي تتجاوز 20% غالبًا ما يتبعها متوسط عوائد أعلى من المعدلات التاريخية على مدى ممتد من 1 إلى 5 سنوات لاحقة.

كيف تتحول الأزمات إلى فرص استثمارية؟

الأزمات لا تخلق الأرباح بشكل تلقائي، لكنها توفر بيئة من التسعير المنخفض، والتقلبات المرتفعة، وردود الفعل العاطفية المبالغ فيها، وهي ظروف يمكن أن يستفيد منها المستثمر المنضبط.

وخلال فترات الذعر، تنخفض مضاعفات الربحية بشكل ملحوظ، وترتفع علاوات المخاطر، ما يؤدي إلى تراجع الأسعار بوتيرة أسرع من تراجع الأرباح الفعلية.

هذا الانخفاض السريع يجعل العائد المتوقع على الاستثمار أعلى، ويخلق فرصًا جذابة لأولئك الذين يستطيعون تقييم الشركات بناءً على أساسياتها وليس على المشاعر السائدة في السوق.

ويظهر التاريخ أن فترات ما بعد الانخفاضات الحادة غالبًا ما تشهد أداءً قويًا بسبب عودة التقييمات إلى متوسطاتها الطبيعية، وهو ما يثبت أن الانخفاضات ليست مجرد خسائر، بل نقاط دخول محتملة للفرص المستقبلية.

علاوة على ذلك، تلعب السياسات النقدية والمالية دورًا حاسمًا في تحويل الأزمات إلى فرص. على سبيل المثال، خلال أزمة كورونا، خفضت البنوك المركزية العالمية أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، وضخت سيولة ضخمة في الأسواق لتعزيز الاستقرار المالي.

وفي الولايات المتحدة، بلغت قيمة حزمة التحفيز المالي المعروفة باسم قانون “كيرز” أكثر من تريليوني دولار أمريكي، ما ساعد في دعم الاقتصاد والشركات على حد سواء، وسرع من عملية التعافي، وخلق بيئة مواتية لارتفاعات لاحقة في الأسواق.

وخارج أمريكا، برزت الصين كنموذج واضح على تأثير التدخلات الحكومية في تسريع التعافي وخلق فرص استثمارية.

فمع انتشار جائحة كورونا في 2020، اتخذت الحكومة الصينية والبنك المركزي الصيني حزمة من الإجراءات شملت خفض نسب الاحتياطي الإلزامي للبنوك، وتوسيع الإقراض الموجّه، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ورغم التراجع الأولي في الأسواق مع بداية الإغلاق، تعافت قطاعات التكنولوجيا والتجارة الإلكترونية واللوجستيات بوتيرة سريعة مدفوعة بتحول سلوكي واسع نحو الخدمات الرقمية.

هذا التدخل المبكر ساهم في إعادة الثقة للأسواق المحلية، وخلق بيئة سمحت للمستثمرين الذين اشتروا عند مستويات الانخفاض بتحقيق عوائد قوية خلال الاثني عشر شهرًا التالية.

ومع ذلك، فإن الاستفادة من هذه التقلبات تتطلب إدارة صارمة للمخاطر واستراتيجية واضحة، حيث يمكن أن يؤدي الدخول العشوائي أو الانجرار وراء الذعر إلى خسائر إضافية بدلاً من تحقيق فرص ربحية حقيقية.

الفرص لا تقتصر على قطاع بعينه

عند اندلاع أزمات جيوسياسية أو عسكرية، يبرز قطاع الدفاع باعتباره المستفيد التقليدي.

ورغم أن بعض شركات الدفاع تحقق أداءً قويًا في هذه الفترات، فإن حصر الفرص في هذا القطاع فقط يعد رؤية محدودة، حيث تظهر التجارب التاريخية أن التعافي بعد الأزمات غالبًا ما يشمل قطاعات أوسع بكثير.

على سبيل المثال، بعد أزمة 2020، لم يكن التعافي مقتصرًا على قطاع محدد، بل شهدت قطاعات التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والطاقة، والمواد الأساسية موجات صعود قوية.

العديد من شركات التكنولوجيا التي تراجعت خلال الذعر الأولي عادت لتسجل مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي واعتماد الخدمات التقنية بشكل أسرع من المتوقع.

فالأزمات غالبًا ما تسرّع الاتجاهات الهيكلية القائمة بالفعل، فجائحة كورونا، على سبيل المثال، سرعت اعتماد التجارة الإلكترونية، والعمل عن بُعد، والخدمات الرقمية، ما انعكس إيجابًا على شركات تمتلك أساسيات قوية لكنها تعرضت لضغوط سعرية مؤقتة.

كما أن فترات الهبوط توفر فرصًا للحصول على أسهم شركات قوية مالياً بأسعار مغرية، حيث قد تنخفض الأسهم بسبب المخاوف العامة وليس بسبب تدهور حقيقي في الأداء.

هذه الانخفاضات المؤقتة تمثل نقاط دخول استراتيجية للمستثمرين الذين يركزون على القيمة الأساسية للشركات وليس على الذعر اللحظي في الأسواق.

بالتالي، تظهر التجربة أن الفرص في الأزمات لا تقتصر على أسهم الدفاع فقط، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من الشركات ذات الأساسيات القوية التي تصل إلى تقييمات جذابة نتيجة البيع العشوائي.

ورغم أن الأزمات تشكل بلا شك فترات مليئة بالمخاطر وعدم اليقين، لكنها تاريخيًا كانت أيضًا أرضًا خصبة لفرص استثمارية استثنائية.

وفي النهاية، لا تعني الأزمة نهاية الدورة الاستثمارية، بل قد تمثل إعادة ضبط للتوقعات والتقييمات، تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النمو والعوائد — لمن يملك الرؤية طويلة الأجل والقدرة على إدارة المخاطر بوعي.

المصادر: أرقام- بنك نيويورك ميلون للاستثمار- البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- البنك الدولي- بلومبرج- شركة ماكينزي- سي إن بي سي

اقرأ الخبر من المصدر

Must Read

- Advertisement -spot_img

Editor Picks

هل تحتاج مساعدة لاختيار الباقة الأنسب لك؟