هندسة الخداع المالي .. توشيبا وثمن الصمت
الكاتب:
{pubdate}
عادة لا يبدأ الفساد المالي في الشركات الكبرى برغبة مباشرة في الاحتيال، بل في طموح جامح لتحقيق النجاح والأهداف، فعندما تتحول تطلعات الإدارة العليا إلى أوامر جامدة لا تقبل النقاش، تتوارى لغة الأرقام ويحل محلها التجميل المحاسبي، الذي ليس في جوهره سوى احتيال مُغلف برداء الطموح.
وفي مكاتب “توشيبا” في طوكيو، حيث تمتد أعمالها من الإلكترونيات المنزلية إلى محطات الطاقة النووية، لم يكن الموظفون يسعون إلى ثراء غير مشروع أو اختلاس لمصالح شخصية، بل كانوا يبحثون عن وسائل لتحقيق أهداف إدارية بدت شبه مستحيلة.
شرارة الأزمة
تعود فصول القصة إلى عام 2015، عندما كشفت هيئات تنظيم الأوراق المالية عن فجوات عميقة خلال تدقيقها في ميزانية “توشيبا”، والتي كانت انعكاسًا لضغوط بدأت منذ عام 2011 عندما وضع المسؤولون أهدافًا غير واقعية للعمليات الجديدة، بسبب مخاوف من تأثير كارثة فوكوشيما على قسم الطاقة النووية.
لجنة مستقلة
سحبت الشركة توقعاتها للأرباح وألغت توزيعات الأرباح السنوية، وشكلت لجنة مستقلة من محامين ومحاسبين قانونيين معتمدين برئاسة “أويدا كويتشي” الرئيس السابق لمكتب المدعي العام الأعلى في طوكيو، وفي خبر صادم، أفادت اللجنة بأن الشركة بالغت في تقدير أرباحها التشغيلية بمقدار 151.8 مليار ين (1.22 مليار دولار)، أي ثلاثة أضعاف التقدير الأولي الذي حددته.
مسؤولية تمتد إلى القمة
أكد التحقيق أن ممارسات المحاسبة غير السليمة نُفذت بصورة متزامنة في عدة وحدات وفق نهج مؤسسي وبمشاركة الإدارة العليا وكشف تورط 98 مسؤولاً تنفيذيًا في المخالفات، وعلى إثر ذلك أعلن رئيس الشركة “هيساو تاناكا” استقالته ونفى توجيه أي تعليمات للموظفين بتضخيم الأرباح أو تزوير الحسابات، كما استقال أيضًا “نوريو ساساكي” نائب رئيس مجلس الإدارة.
حين يُغلق باب الاعتراض
ترتبط جذور الأزمة بالثقافة المؤسسية داخل “توشيبا” التي لا تفسح مجالاً للنقاش أو معارضة رغبات الرؤساء، لذلك عندما كانت الإدارة العليا تطرح أهدافًا غير واقعية، لجأ رؤساء الأقسام والموظفون الأدنى رتبة إلى التلاعب بالدفاتر واعتماد ممارسات محاسبية غير سليمة لتحقيق الأهداف أو النتائج المالية بما يتماشى مع تطلعات الإدارة.
نماذج التلاعب
تنوعت أساليب المحاسبة الاحتيالية بين الوحدات المختلفة، ففي وحدة أجهزة التلفاز، تم تأجيل تسجيل الخسائر إلى فترات محاسبية لاحقة، بينما لجأت وحدات أخرى إلى تضخيم الأرباح من خلال رفع أسعار المنتجات المباعة للوحدات التابعة خارج اليابان، أو تسجيل الأرباح المستقبلية المتوقعة مبكرًا.
رقابة بلا فعالية
بسبب ضعف الضوابط الداخلية، أخفقت عمليات التدقيق وإدارة المخاطر في كشف هذه المخالفات أو منعها، كما أسهمت ثقافة الطاعة والخوف في إسكات الأصوات المتحفظة، مما جعل الإبلاغ عن المخالفات شبه مستحيل، إلى جانب ذلك، أخفيت التجاوزات المحاسبية بمهارة عن أعين المراقبين الخارجيين.
اعتذار تحت الضغط
وفي أعقاب الحادثة، التي تعد الأكثر ضررًا في تاريخ الشركة منذ تأسيسها نتيجة اندماج في عام 1938، أصدرت “توشيبا” بيانًا اعتذرت فيه للمساهمين وأصحاب المصلحة الآخرين عن هذه الأزمة، مؤكدة حاجتها إلى بناء هيكل إصلاحي جديد.
أزمة تتجاوز الشركة
على خلاف عمليات الاحتيال التي يرتكبها فرد واحد أو مجموعة محددة، تعكس فضيحة “توشيبا” خللاً في الثقافة المؤسسية، مما أثار مخاوف بشأن نمط الحوكمة في بعض الشركات اليابانية، وأقر رئيس مجلس إدارتها “مروماتشي ماساشي” – الذي تولى المنصب بعد “تاناكا” – بأن القواعد الرسمية لا قيمة لها إن لم تُفعل عمليًا، متعهدًا باتخاذ تدابير تحول دون تكرار المخالفات المحاسبية.
محاولات استعادة الثقة
عقب الفضيحة، سعت الحكومة اليابانية جاهدة لاستعادة ثقة المستثمرين العالميين عبر تعزيز معايير الحوكمة، وطبقت بورصة طوكيو قواعد جديدة تلزم الشركات المدرجة بتعيين عضوين مستقلين على الأقل من خارج مجلس الإدارة، وأضيفت قواعد رسمية في قانون الشركات اليابانية لتعزيز الرقابة والإشراف.
فاتورة التجميل المحاسبي
أدرجت بورصة طوكيو “توشيبا” على قائمة المراقبة، في الأشهر التالية، تراجعت أسهم الشركة إلى أدنى مستوياتها في عامين ونصف، وبحلول نهاية 2015، فقدت الشركة حوالي 8 مليارات دولار من قيمتها السوقية، مع خسائر سنوية قدرت بنحو 4.6 مليار دولار، وأعلنت تخصيص 8.4 مليار ين لتغطية غرامات محتملة، في ظل دعاوى قضائية رفعها مساهمون في اليابان وأمريكا.
العقوبات والمساءلة القانونية
أوصت الهيئات التنظيمية بفرض غرامة قياسية 7.37 مليار ين على شركة الإلكترونيات، كما فرضت غرامة قدرها 2.1 مليار ين على شركة تابعة لـ “إرنست أند يونج” بسبب إخفاقها في اكتشاف المخالفات أثناء التدقيق في حسابات “توشيبا”، كما أمرت محكمة دائرة طوكيو لاحقًا بإلزام “توشيبا” بدفع 100 مليون ين تعويضًا للمستثمرين عن الأضرار الناجمة عن الفضيحة.
في نهاية المطاف، تُجسد هذه الفضيحة المحاسبية، ضريبة تقديم رغبات القيادة العليا على المعايير المهنية، فعندما يصبح الالتزام بتحقيق أهداف غير واقعية هو المعيار الوحيد للنجاح، تتحول الحوكمة بكافة أشكالها وقوانينها إلى هيكل عديم الجدوى، مما يعيق القدرة على كبح جماح الفساد المؤسسي.
المصادر: أرقام –- جيجي برس – إنترجريتي آسيا – بي بي سي – فاينانشال تايمز – وول ستريت جورنال


