Fx Forsa

الرئيسيةالأخبار الأقتصادية‏هندسة الخداع المالي .. لغز اختفاء 1.9 مليار يورو

‏هندسة الخداع المالي .. لغز اختفاء 1.9 مليار يورو

-

‏هندسة الخداع المالي .. لغز اختفاء 1.9 مليار يورو

الكاتب:

{pubdate}

“هل يمكن لمبلغ 1.9 مليار يورو أن يتبخر في الهواء؟ هذا السؤال لم يكن لغزاً في رواية بوليسية، بل كان الحقيقة الصادمة التي واجهها المستثمرون والمنظمون قبل حوالي خمسة أعوام، عند انكشاف عمليات احتيال مالية واسعة النطاق تراكمت على مدار سنوات لشركة “وايركارد” التي كانت في بداياتها وعلى مدار عشرين عامًا تقريبًا نموذجًا لقصة نجاح في قطاع سريع النمو وبرزت كإحدى أبرز شركات الدفع في أوروبا.

بداية الحكاية

في عام 1999، تأسست الشركة في ضاحية هادئة بمدينة ميونيخ، لمعالجة المدفوعات من خلال مساعدة المواقع الإلكترونية والشركات خاصة في القطاعات عالية المخاطر – التي تعاني من نقص حاد في الخدمات المصرفية التقليدية – على تحصيل مدفوعات بطاقات الائتمان من عملائها، وبلغت قيمتها في ذروتها عام 2018 حوالي 24 مليار يورو (26.76 مليار دولار)، قبل أن تنهار إلى أقل من 3 مليارات يورو في أيامها الأخيرة.

وفي عام 2002، تولى “ماركوس براون” منصب المدير التنفيذي وقدم نفسه كصاحب رؤية في طليعة ثورة التكنولوجيا المالية،، لكن بنفس نموذج الأعمال الرئيسي وهو تمكين المواقع المشبوهة والشركات والمنظمات الخطرة من معالجة مدفوعاتها الإلكترونية.

لكن لا يمكن مقارنتها بشركات أخرى تقدم خدمات المدفوعات مثل “باي بال” أو “كلارنا”، لأن “وايركارد” ظلت تعمل في الخفاء، ولا يظهر اسمها لأغلب المستهلكين عند إتمام المعاملة، وحققت أعمالها نتائج أعمال مذهلة، إذ بلغت إيراداتها 40 مليون يورو (46.6 مليون دولار) في 2004، وبحلول منتصف 2006، تجاوزت هوامش الربح قبل خصم الفوائد والضرائب 22%.

التحايل على القوانين

لم تختار الشركة عبر تاريخها المسارات التقليدية المعتادة، فمثلاً لإدراج سهمها في البورصة لجأت وتحديدًا في عام 2005 إلى الاندماج مع شركة ألمانية متعثرة “InfoGenie Europe” والتي كانت مدرجة في فرانكفورت، وبمجرد اتمام عملية الدمج، توقفت أعمال “إنفوجيني” بشكل شبه كامل، وتغير اسم المجموعة الجديدة إلى “وايركارد إيه جي”.

ولم تكتفي عند ذلك الحد بل سعت نحو المصداقية، لذا اختارت “إرنست أند يونج” المعروفة اختصارًا بـ “إي واي” والتي تعد أحد أكبر أربع شركات محاسبية، لتولي أعمال التدقيق المالي.

وحتى تحصل على رخصة مصرفية، استحوذت على شركة صغيرة متعثرة تعرف باسم “XCOM Bank” والحاصلة على ترخيص مصرفي ألماني كامل، وبذلك أصبحت “وايركارد” تتمتع بالعديد من المزايا المصرفية التي تمكنها من تقديم خدمات تتجاوز معالجة المدفوعات، حتى أنه أصبح بإمكانها إصدار بطاقات الائتمان والخصم، وحتى خفض أسعارها مقارنة بالمنافسين.

وأصبحت تخضع لإشراف هيئة الرقابة المالية الألمانية (BaFin)، وتتمتع بالمصداقية المؤسسية، وهو مكنها عبر السنوات التالية بالانطلاق في موجة استحواذات عالمية سريعة لشركات أغلبها صغيرة وتقع في مناطق غالبًا ما تكون فيها الرقابة التنظيمية محدودة.

إحدى أكبر عمليات الاحتيال المحاسبي في أوروبا

في فبراير 2008، أصدرت مجموعة مساهمين ألمانية مستقلة تعرف اختصارًا بـ SDK ملفًا أثار بداية الشكوك حول “وايركارد”، إذ زعم وجود مخالفات خطيرة في بياناتها المالية، واتهمها بتزوير حساباتها والتلاعب في التقارير، والمبالغة في إيراداتها، وأشار إلى تساؤلات عن عملية الاحتفاظ بودائع العملاء.

وهو ما دفع سهم “وايركارد” للهبوط الحاد، واتخاذ هيئة الرقابة الألمانية إجراءات قانونية، لكن أسفرت في النهاية عن أن الادعاءات الواردة في التقرير لا أساس لها من الصحة، حتى أن “وايركارد” استغلت الفرصة لتعزيز مكانتها، وفي 2018، تجاوزت القيمة السوقية لـ “وايركارد” قيمة أكبر بنكين في ألمانيا وأدرجت ضمن مؤشر “داكس 30”.

لكن سرعان ما عاودت الأزمة مرة أخرى، خاصة بعد صدور تقرير جديد يتهمها بارتكاب مخالفات مالية جسيمة وتورطها في غسل أموال ومعاملات احتيالية، لكنها نفته ورفعت دعاوى قضائية ضد المشتبه بتورطهم في نشر التقرير، ثم بدأت المعركة العلنية في وسائل الإعلام مع “فاينانشال تايمز” في 2018 والتي كشفت عن أدلة متزايدة للإدانة.

لغز اختفاء 1.9 مليار يورو

في يونيو 2020، انكشفت حقيقة “وايركارد” التي كان جزء كبير من أعمالها احتياليًا، واختفاء مبلغ 1.9 مليار يورو (نحو 2.21 مليار دولار) ، والذي كان من المفترض أن يكون ضمن أردة حسابات ائتمانية في الفلبين والمخصص لإدارة المخاطر، لكنه قد لا يكون له وجود في الأصل رغم أنه يمثل حوالي ربع إجمالي ميزانيتها العمومية، حسب تقارير المراجعة، وانهارت الشركة، حينها هبط السهم 60% في يوم واحد.

واستقال “ماركوس براون” – الذي ألقي القبض عليه لاحقًا بتهم الاحتيال والتلاعب المحاسبي – وسط عمليات البحث عن المبلغ المفقود، وعين “جيمس فرايس” رئيسًا تنفيذيًا مؤقتًا من أجل إنقاذ الشركة، لكنها استنفذت كافة الخيارات المتاحة وتقدمت بطلب لإعلان إعسارها المالي، وتم القبض على عدد من مسؤوليها لتفكيك شبكة احتيالية في عملية أسفرت عن خسائر تتجاوز 300 مليون يورو.

وبعدما تداول السهم في أوائل 2015 قرب 30 يورو ، ووصل إلى أعلى مستوياته على الإطلاق عند 192 يورو في 2018، إلا أنه هوى إلى أقل من مستوى يورو واحد فقط عندما انهارت الشركة بحلول سبتمبر 2020.

امبراطورية من ورق

لم تكن “وايركارد” مجرد شركة تعثرت خطاها، لكنها نموذجًا لكيفية تضليل الأنظمة الرقابية وشركات التدقيق على مدار سنوات، لتظل الـ 1.9 مليار يورو التي تبخرت دليلاً على أن النجاح السريع القائم على الالتفاف على القوانين ليس سوى سراب ينتهي دائمًا في قاع الهاوية.

المصادر: أرقام – البرلمان الأوروبي – هارفارد بيزنس سكول – بي بي سي – كوارتر – فاينانشال تايمز

اقرأ الخبر من المصدر

مختارات التحليل والأخبار الأقتصادية

أخر الأخبار

- Advertisement -spot_img

‏هندسة الخداع المالي .. لغز اختفاء 1.9 مليار يورو

الكاتب:

{pubdate}

“هل يمكن لمبلغ 1.9 مليار يورو أن يتبخر في الهواء؟ هذا السؤال لم يكن لغزاً في رواية بوليسية، بل كان الحقيقة الصادمة التي واجهها المستثمرون والمنظمون قبل حوالي خمسة أعوام، عند انكشاف عمليات احتيال مالية واسعة النطاق تراكمت على مدار سنوات لشركة “وايركارد” التي كانت في بداياتها وعلى مدار عشرين عامًا تقريبًا نموذجًا لقصة نجاح في قطاع سريع النمو وبرزت كإحدى أبرز شركات الدفع في أوروبا.

بداية الحكاية

في عام 1999، تأسست الشركة في ضاحية هادئة بمدينة ميونيخ، لمعالجة المدفوعات من خلال مساعدة المواقع الإلكترونية والشركات خاصة في القطاعات عالية المخاطر – التي تعاني من نقص حاد في الخدمات المصرفية التقليدية – على تحصيل مدفوعات بطاقات الائتمان من عملائها، وبلغت قيمتها في ذروتها عام 2018 حوالي 24 مليار يورو (26.76 مليار دولار)، قبل أن تنهار إلى أقل من 3 مليارات يورو في أيامها الأخيرة.

وفي عام 2002، تولى “ماركوس براون” منصب المدير التنفيذي وقدم نفسه كصاحب رؤية في طليعة ثورة التكنولوجيا المالية،، لكن بنفس نموذج الأعمال الرئيسي وهو تمكين المواقع المشبوهة والشركات والمنظمات الخطرة من معالجة مدفوعاتها الإلكترونية.

لكن لا يمكن مقارنتها بشركات أخرى تقدم خدمات المدفوعات مثل “باي بال” أو “كلارنا”، لأن “وايركارد” ظلت تعمل في الخفاء، ولا يظهر اسمها لأغلب المستهلكين عند إتمام المعاملة، وحققت أعمالها نتائج أعمال مذهلة، إذ بلغت إيراداتها 40 مليون يورو (46.6 مليون دولار) في 2004، وبحلول منتصف 2006، تجاوزت هوامش الربح قبل خصم الفوائد والضرائب 22%.

التحايل على القوانين

لم تختار الشركة عبر تاريخها المسارات التقليدية المعتادة، فمثلاً لإدراج سهمها في البورصة لجأت وتحديدًا في عام 2005 إلى الاندماج مع شركة ألمانية متعثرة “InfoGenie Europe” والتي كانت مدرجة في فرانكفورت، وبمجرد اتمام عملية الدمج، توقفت أعمال “إنفوجيني” بشكل شبه كامل، وتغير اسم المجموعة الجديدة إلى “وايركارد إيه جي”.

ولم تكتفي عند ذلك الحد بل سعت نحو المصداقية، لذا اختارت “إرنست أند يونج” المعروفة اختصارًا بـ “إي واي” والتي تعد أحد أكبر أربع شركات محاسبية، لتولي أعمال التدقيق المالي.

وحتى تحصل على رخصة مصرفية، استحوذت على شركة صغيرة متعثرة تعرف باسم “XCOM Bank” والحاصلة على ترخيص مصرفي ألماني كامل، وبذلك أصبحت “وايركارد” تتمتع بالعديد من المزايا المصرفية التي تمكنها من تقديم خدمات تتجاوز معالجة المدفوعات، حتى أنه أصبح بإمكانها إصدار بطاقات الائتمان والخصم، وحتى خفض أسعارها مقارنة بالمنافسين.

وأصبحت تخضع لإشراف هيئة الرقابة المالية الألمانية (BaFin)، وتتمتع بالمصداقية المؤسسية، وهو مكنها عبر السنوات التالية بالانطلاق في موجة استحواذات عالمية سريعة لشركات أغلبها صغيرة وتقع في مناطق غالبًا ما تكون فيها الرقابة التنظيمية محدودة.

إحدى أكبر عمليات الاحتيال المحاسبي في أوروبا

في فبراير 2008، أصدرت مجموعة مساهمين ألمانية مستقلة تعرف اختصارًا بـ SDK ملفًا أثار بداية الشكوك حول “وايركارد”، إذ زعم وجود مخالفات خطيرة في بياناتها المالية، واتهمها بتزوير حساباتها والتلاعب في التقارير، والمبالغة في إيراداتها، وأشار إلى تساؤلات عن عملية الاحتفاظ بودائع العملاء.

وهو ما دفع سهم “وايركارد” للهبوط الحاد، واتخاذ هيئة الرقابة الألمانية إجراءات قانونية، لكن أسفرت في النهاية عن أن الادعاءات الواردة في التقرير لا أساس لها من الصحة، حتى أن “وايركارد” استغلت الفرصة لتعزيز مكانتها، وفي 2018، تجاوزت القيمة السوقية لـ “وايركارد” قيمة أكبر بنكين في ألمانيا وأدرجت ضمن مؤشر “داكس 30”.

لكن سرعان ما عاودت الأزمة مرة أخرى، خاصة بعد صدور تقرير جديد يتهمها بارتكاب مخالفات مالية جسيمة وتورطها في غسل أموال ومعاملات احتيالية، لكنها نفته ورفعت دعاوى قضائية ضد المشتبه بتورطهم في نشر التقرير، ثم بدأت المعركة العلنية في وسائل الإعلام مع “فاينانشال تايمز” في 2018 والتي كشفت عن أدلة متزايدة للإدانة.

لغز اختفاء 1.9 مليار يورو

في يونيو 2020، انكشفت حقيقة “وايركارد” التي كان جزء كبير من أعمالها احتياليًا، واختفاء مبلغ 1.9 مليار يورو (نحو 2.21 مليار دولار) ، والذي كان من المفترض أن يكون ضمن أردة حسابات ائتمانية في الفلبين والمخصص لإدارة المخاطر، لكنه قد لا يكون له وجود في الأصل رغم أنه يمثل حوالي ربع إجمالي ميزانيتها العمومية، حسب تقارير المراجعة، وانهارت الشركة، حينها هبط السهم 60% في يوم واحد.

واستقال “ماركوس براون” – الذي ألقي القبض عليه لاحقًا بتهم الاحتيال والتلاعب المحاسبي – وسط عمليات البحث عن المبلغ المفقود، وعين “جيمس فرايس” رئيسًا تنفيذيًا مؤقتًا من أجل إنقاذ الشركة، لكنها استنفذت كافة الخيارات المتاحة وتقدمت بطلب لإعلان إعسارها المالي، وتم القبض على عدد من مسؤوليها لتفكيك شبكة احتيالية في عملية أسفرت عن خسائر تتجاوز 300 مليون يورو.

وبعدما تداول السهم في أوائل 2015 قرب 30 يورو ، ووصل إلى أعلى مستوياته على الإطلاق عند 192 يورو في 2018، إلا أنه هوى إلى أقل من مستوى يورو واحد فقط عندما انهارت الشركة بحلول سبتمبر 2020.

امبراطورية من ورق

لم تكن “وايركارد” مجرد شركة تعثرت خطاها، لكنها نموذجًا لكيفية تضليل الأنظمة الرقابية وشركات التدقيق على مدار سنوات، لتظل الـ 1.9 مليار يورو التي تبخرت دليلاً على أن النجاح السريع القائم على الالتفاف على القوانين ليس سوى سراب ينتهي دائمًا في قاع الهاوية.

المصادر: أرقام – البرلمان الأوروبي – هارفارد بيزنس سكول – بي بي سي – كوارتر – فاينانشال تايمز

اقرأ الخبر من المصدر

Must Read

- Advertisement -spot_img

Editor Picks

هل تحتاج مساعدة لاختيار الباقة الأنسب لك؟